الخميس، شوال 23، 1437

ما بين اردوغان واورهان (مؤلف الكتاب الاسود)

ما بين اردوغان واورهان (مؤلف الكتاب الاسود)

الأحداث الدراماتيكية المتصارعة في تركيا مؤخرا، اعادت إلى ذاكرتنا احداث رواية مشابهة قرأتها قبل عدة سنوات، لروائي تركي مجيد حاز على جائزة نوبل للآداب عن روايته (اسمي أحمر)، فحوى الرواية عبارة عن مادة تاريخية فنية تروي مآسي الاغتيالات والمؤامرات والدسائس يُحيكها حماة المسلمات الإسلامية الخاصة بفنون النقش، تدور أحداث الرواية في إسطنبول، عاصمة الدولة الإسلامية في القرن السادس عشر، يحكمها حينذاك سلطان عثمانيّ يهابه ويحترمه شعبه حدّ التقديس أحيانا، كما اردوغان الآن إلى حد ما، كان ينادونه بـ (اساس العالم حضرة سلطاننا) تتناول في مجمل أحداثها حياة النقاشين العاملين في الدولة العثمانية، الذين كانوا يرسمون وينقشون ويزخرفون الكتب والمؤلفات التي تعد للخليفة أو تهدى له، أو التي يريد الخليفة إهداءها لملك او رئيس من اصدقائه.
هذه الرواية التاريخية تناولت حقبة من حياة الإمبراطورية العثمانية وتحريمها لفن الرسم إلا بشروط معينة تخضع المرسوم إلى عدم المطابقة مع الواقع، وإلا اعتبر تحدياً للقدرة الإلهية على الخلق. وبسبب هذا التحريم اقتصر اهتمام الرسامين في ذلك الوقت على النقش والزخرفة لدرجة أنهم كانوا يسمون أنفسهم نقاشين بدل رسامين.
تناقش الرواية مسألة التبعية الدينية المتناقضة ما بين من يمثل الدين وعامة الناس، وبينما تشرح الاحدث بالتفصيل خوف النقاشين من التطرق إلى محرمات الرسم، نفاجأ بالسلطان الكبير خليفة المسلمين، يطلب بنفسه سراً إنجاز رسم له يناقض كل الأساليب التقليدية القديمة، ويسمح بأن يتبع فيه أساليب الإفرنج الحديثة من التركيز عليه وعلى صورته بدل الاهتمام بالمظاهر الثانوية.
يرغب السلطان من هذا الكتاب السري سرد مواضيع مختلفة بمستوى يجعله متفاخرا أمام الغرب ويظهر مدى قوته، فيعيّن احد كبار النقّاشين سفيراً له في إيطاليا، وفي الحقيقة كان جاسوساً ثقافيا، كُلف فيما بمهمة انجاز هذا السفر السري الخطير، شّكل فريقه السري لإنجاز الأمر السلطاني، يشعر أحد الرسامين المشاركين في الكتاب بالقلق ويريد الانسحاب ويعرّض بذلك المشروع بأكمله للخطر، يتعرّض للقتل فيشرع فشرع كبير النقاشين في التحقيق لمعرفة القاتل ومن يقف وراءه.
لم يهمل الكاتب الحياة الاجتماعية، فيتحدث عن إسطنبول بما فيها من أماكن وأعمال وطبقات اجتماعية وتيارات متصارعة متشددة دينيا، تعتبر حتى شُرب القهوة عملاً من تدبير الشيطان، وأخرى معتدلة ومتفلتة لا تدير لشيء بالاٌ. كما اسدى اورهان لقرائه معروفاً بإعطائهم لمحة عن ملامح الحضارة التركية القديمة، إذ انه يأخذهم في جولة سياحية تاريخية مثيرة للاهتمام، فتارة يجد القارئ نفسه أمام المُدّاح، وتارة في ذلك السوق الشعبي حيث تتبضع الجواري، وتارة يلمح ذلك الرسام العجوز، وهو ينقش و يزّخرف و يرسم الصفحات مستعيناً بضوء الشموع المتقد حتى يفقد بصره، يبدو لي أن المشهد التركي لم يختلف كثيراً منذ القرن السادس عشر من حيث التناقض.
بشيء من السخرية ينسج اورهان باموق موضوعات كبيرة في روايته بأناقة مرحة، فهو مثلا يدع مخنثا يتحدث عن أسباب التفوق العثماني على بلاد الإفرنج الواقعة في وسط اوروبا فيقول: لأن نساء الإفرنج يتزيّن في المدن، ولا يكشفن عن وجوههن فقط، وإنما أيضا عن مفاتنهن، شعورهن البراقة، رقابهن، أذرعهن، أعناقهن الجميلة، أجل، حتى جزءا من سيقانهن الجميلة، يواجه الرجال على الدوام هذا السفور بالانتصاب، فيستديرون لذلك في حياء وخجل، ولا يكادون يستطيعون المشي، وهو ما أدى بالطبع على حد قوله إلى شل المجتمع بأكمله، هذا هو السبب في أن الإفرنج الكفار يفقدون لصالحنا نحن العثمانيين كل يوم حصنا أخر.
يقول احد النقّاد في (اسمي أحمر) يرمي اورهان إلى بعض المفاهيم المخفية بين السطور، على سبيل المثال، استناداً إلى ذلك الحقبة التاريخية المحتشد بالأخلاقيات الفاضلة في إسطنبول حيث النساء الملتزمات بالخمار والحشمة، والرجال المداومين على صلاة الجماعة في المساجد، والمتصوفة المحبين لرسولهم الكريم (ص)، رغم ذلك نجد أن الزنا يبدو في عرفهم محض عادة عادية جداً، بل حتى أن أحدهم يتفاخر بتاريخه في ممارسة الجنس مع مختلف العاهرات. ويتساءل الناقد: هل يقصد الكاتب أنهم يسيئون فهم الإسلام على الوجه السليم؟ أم أن الإسلام لم يكن بالنسبة لهم أكثر من لقب حضاري من غير الضروري الاحتذاء و التقيد به؟ يشير الكاتب أيضاً إلى مفهوم (تصارع الحضارات) حين أراد بعض النقاشين الأتراك محاكاة النقوش الإيطالية و الإفرنجية، بينما كان البعض الآخر رافضاً تماماً لهذه الفكرة معتبرها طريقاً إلى الضلال، فيوضح الكاتب تضاريس الفكر المتفاوت الحجم في تلك الحقبة الزمنية.
تطرق اورهان باموق في روايته هذه إلى قضية التطرف الديني بطريقة ساخرة، وسخريته المبطنة من خزعبلات المؤمنين! إذ يحدّثنا عن الشيخ الأرضرومي (الداعشي الظلامي) الذي يحرّض أتباعه على مهاجمة النقاشين والنقش خانات، وكل ما كان جديداً على المدينة في ذلك الوقت، حيث انه يحرّم شرب القهوة قائلا: "أيها المؤمنون، شرب القهوة حرام، ولأن حضرت نبينا يعرف أنها تخدر العقل وتثقب المعدة، وتسبب الفتق والعقم، ولأنها حيلة شيطانية فإنه (ص) لم يكن يشرب القهوة قط، إن المقاهي أمكنة يقصدها أهل الكيف"
ورد في موقع تركيا بوست عن الرواية: العمى معضلة النقاشين الكبيرة، فهو خوفهم الأزلي الذي يعرفون أنه بانتظارهم، فحياة النقش الصعبة، والتركيز على أدق التفاصيل ورسمها بحرص، والاستمرار طويلا على حركة واحدة من الجلوس والانكباب على الورقة، تجعل من العمى مصيراً لنقاشي العالم كله آنذاك. لكن النقاشين، الفارسيين القدامى تحديداً، حوّلوا معنى العمى، المظلم والمخيف، الذي سيحرمهم من التلذذ برؤية الرسوم والنقوش والحياة الجميلة التي أمامهم، حوّلوه لمعنى رائع، فكانوا يرونه كهدية إلهية تقدّم إليهم بعد حياة شقاء طويلة وتعب، فكأن الله يريد أن يريحهم ويخلّصهم من العالم، ويدخلهم في نور الله والذاكرة والتذكّر، حتى إن بعض النقاشين الذين كانوا يشيخون ولا يصيبهم العمى يقومون بتعمد وخز عيونهم بإبر خاصة لتعمى، وبعضهم كان يضطر إلي القيام بذلك حين تتغيّر الدولة ويجبر على الرسم بطريقة ترفضها مبادئه، فيقوم بتعمّد العمى ليتجنّب السير في طريق لا يريده
واللون الاحمر  المتخذ منه اسم الرواية، هو الأكثر استخداماً في الرسم الإسلامي، وهو لا يمثل لون الدم والجريمة فقط، بقدر ما هو لون الجنة التي تـنتظر روح الفنان بعد الموت، إنه الأحمر المتوهّج على اجنحة الملائكة وعلى شفاه النساء، بقدر ما هو ذلك النازف من جروح القتلى والرؤوس المقطوعة.
إسناد باموق مهمة نقل الرسائل بين العشاق وكشفها لمنافسيهم مقابل اجر، إلى السيدة استرا اليهودية فيها اشارة ضمنية إلى خبث اليهود واضطلاعهم بالدسائس بين الشعوب
في الرواية، فك لبعض الرموز التشكيلية فالأسد يمثل الإسلام، والخنزير الذي يطارده هو الكفر، الشجرة تعنى الخلود، والخيول تعنى التعب،  الكلاب تعنى الشرف
اورهان باموق، من مواليد 1952 له العديد من الروايات وهو (سيد الاسم) للكتاب الاسود، رواية اسمي احمر صدرت عام 1998 وتقع في أكثر من 500 صفحة قيل أنها من أهم الروايات التي صدرت في العقد الأخير من القرن الماضي، استغرقت كتابة هذه الرواية عشر سنوات كاملة، نال بها جائزة نوبل للآداب عام 2006 بإجماع النقاد عن استحقاقها قبل إعلان الجائزة، و اورهان اول كاتب تركي حصل على جائزة نوبل، ترجمت هذه الرواية إلى اكثر من اربعين لغة.
رغم ان الرواية متعبة، وغريبة السبك، وهي فعلا طويلة، وقراءتها ليست سهلة، وتحتاج رغبة لمعرفة ذلك الزمن الذي كتب عنه اورهان، وحباً للرسم والنقش وفنون الزخرفة الإسلامية التي كانت محور أحداث الرواية، فقد اعترف اورهان مؤخراً انه ترك دراسة المعمار وإمتهن التأليف عوضا من الرسم، ورغم التعقيد وصعوبة الرواية، إلا إنني عندما انهيت قراءتها حزنت جدا وددت لو أنها لم تنته. لا يمكن ان تصدر مثل هذه الرواية ذات التكثيف القصصي إلا من روائي ذي خيال شيطاني مفتوح القدرات، ويبدو لي شأن باموق في هذا العمل شأن أي سلطان من سلاطين آل عثمان، ترك بصماته باقية إلى الابد
وجه الشبه بين احدث رواية (اسمي أحمر)  لاورهان والأحداث الأخيرة في تركيا اردوغان، هو رغبة السلاطين العثمانيين في الانقلاب والخروج علي الثوابت الشعبية، فسبب مقتل النقاش الذي اضطرب نفسيا بسبب التكليف السري للسلطان بتأليف كتاب يخرج عن ثوابت مدرسة النقش الإسلامية، والاحتذاء بمدرسة الفرنجة، لتخليد ذاته السلطانية، هذا المنعطف شكل المحور الاساس لأحداث الرواية. كذلك نجد أن دافع المحاولات الانقلابية المتكررة ضد نظام اردوغان المُصر على تغيير الدستور التركي العلماني، وتبديل النظام البرلماني بنظام رئاسي يناسب طموحاته السلطانية. بكل سهولة نجد تقاطع بين مسرح عمليات الحدثين، بشكل مقلوب إلى حد ما، ففي (اسمي أحمر) اغتيل احد ابطال الرواية بسبب حرصه على الثوابت الاسلامية، في حين أن مدبري الانقلاب ضد نظام اردوغان هم متهمون بحماية العلمانية، ضد توجه اسلمة الدولة التركية.
تجدر الاشارة إلى أن الكاتب والروائي العالمي اورهان باموق يفضل وهو افضل من يتناول الشأن التركي على الهواء مباشرة، وقد تعرّض للاعتقال عدة مرات بسبب مواقفه من سياسيات اردوغان العامة، وطريقة معالجته للقضية الكردية بوجه خاص، فالرجل مغضوب عليه في تركيا اردوغان، بل انه ملاحق من قبل السلطات العدلية التركية بتهمة تشويه سمعة بلاده خارجيا او التندر بها، فقد اعابوا عليه موقفه من مجزرة الارمن الشهيرة التي ارتكبتها السلطات العثمانية عام 1915 وأدت الى مقتل اكثر من مليون شخص وتشريد مئات الالاف على الطرقات والشوارع الأزقة.
ما بين اردوغان واورهان، تبرز معضلة علاقة السطلة بالمثقف، وبخاصة في البلدان التي لم تترسخ فيها الممارسة الديمقراطية بشكل كاف، وينتصب التساؤل، هل من الضروري أن يكون الأخير مع المين إستريم (Mainstream) على طول الخط، او ان يقوم بدور كلب الحراسة للسطلة الحاكمة اية كانت؟ أدوار سعيد نفى نفياً قاطعا بألا ينبغي للمثقب أن يكون لا هذا ولا ذلك.  
//ابراهيم سليمان//



الخميس، شوال 16، 1437

مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية (2)

مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية (2)


ليس ثمة جدل في أن مبدأ الفن للفن قد تخلى عنه الكُتاب والمخرجون والدراميون الكبار، واصبحت النظرة الشمولية للعمل الفني تضع رموز الفن في مصاف رجالات دولة، يروجون للقيم الفاضلة، ويعكسون الأبعاد السياحية والوجه المشرق لشعوبهم وبلدانهم، يعالجون التعقيدات الاجتماعية بعيداً عن الترويج للجريمة والانحلال، سيما وإن كان مسرح الأحداث لا يزال بكراً امام العدسات، فمن المخل الانحصار في حدود العقدة الدرامية.
الفقرة أعلاه، كانت خاتمة محاولتنا النقدية لمسلسل الدهابية في مقالنا السابق، والذي قصدنا منه تقديم طرح خفيف على القارئ الكريم خلال عطلة عيد الفطر المبارك اعاده الله على اهلنا وامتنا بالطمأنينة والعدالة والحرية، طرح يبعده بعض الوقت عن الشأن السياسي "الأصنج"، لكننا تفاجأنا بذائقة قراء الراكوبة الغراء للنقد الفني، وكنا نحسب أن مزاج روادها سياسي وثوري بحت، وايضا باغتنا زملاء افاضل في الفيس، وكذلك اخوة أكارم في منتديات حصرية، باغتونا بالظهور "منططين" اعينهم ومبدين الدهشة، هذا ما دفعنا لأن نقول لهم بعد المباركة والثناء "كل هذا بدون وضوء"، ليس غروراً بالطبع، وإنما لأننا لسنا متخصصين في هذا المضمار، وإنما مجرد "شوّيف سينما" على قول المصريين، ونؤمن ايمان العجائز، بمقدرة العمل السينمائي والدرامي المسئول، على احداث تحول ايجابي في حياة الشعوب، وإعادة العافية للنسيج الاجتماعي السوداني المهترئ، وترسيخ القيم والفضيلة ومعاني البطولة في ادمغة النشء، والحفاظ على التراث الإنساني الأصيل.
التصفيق الحار من جمهور القراء، اغرانا للاسترسال في تناول جوانب اخرى من مسلسل الدهباية، مع مقارنات عند اللزوم بمسلسل دكين، وللأمانة فقد شاهدت الأخير أولاً، فانبهرت به ايما انبهار، وأكبرت مقدرة الممثل والمخرج السوداني الذي استطاع ان ينتج مثل هذا العمل السينمائي الضخم، لذلك عندما شاهدت مسلسل الدهباية، بانت لي الفوارق، وظهرت لي "الكلّفتة" جليا.
ومرد اهتمامي بالداليّن (دكين ودهباية)، هو أن كليهما يعكس جمال واصالة الريف السوداني، والذي لا اخفي انحيازي التام له إنساناً وموروثا، لأنني لم اجد ما في البندر ما يجذبني، وقلقي الشديد على الاستلاب الثقافي من قبل المدن المركزية على هذه القطاعات، والتي تمثل المرجعية الأخلاقية والقيمية والتراثية للإنسان السوداني، وابذل ما في وسعي بألا يتم تشويشها من قبل المنتجين التجارييّن وحلفائهم من زمرة الرأسمالية الطفيلية الغير مسئولة.
كاميرات المخرجيّن في كلا المسلسلين، لاحقت فاريّن من العدالة، دكين انحصر في الريف، اما عباس فزاوج بين الريف والحضر، والممثل القدير والمخرج محمد نعيم سعد (سينما)، استغل هذه الملاحقة، فعرض للمشاهد ارض البطانة الواعدة من شندي إلى ابودليك، وحتى مشارف سِنكات في اقصى الشرق، ورغم أن مسلسل الدهباية بها مواضع action أكثر من مسلسل دكين، إلا أن المخرج فاروق سليمان قد اكتفي بـ 30 حلقة وكان بإمكانه ان يمط المسلسل إلى 60 حلقة دون ان يخل بالعقدة الدرامية، كما انه وضع شكائم لكاميراته، ولم يوظف الـ zoom-out بشكل إيجابي.
على سبيل المثال، على غرار ما فعل محمد نعيم سعد في مسلسل دكين، كان بإمكان فاروق سليمان، أن يلاحق عباس وهو سائق لوري، عاشق لابنة خالته الدهباية، يلاحقه في سوق الخضر والفواكه  بنيالا، وسوق الشطة وهو عالَم بحاله، وسوق العيش، والسفر من رهيد البردي ونيالا إلى ام دافوق وعد الفرسان وبُرام وتُلس، وكيف يتجاسر على عبور الوديان والخيران الجامحة لحظات غضبها، ويلاحقه وهو هارب من العدالة راجلاً بعد الاعتداء على الافندي، وعلى غرار هروب دكين، بإمكانه اللجوء أي عباس، إلى فُرقان البقّارة الرُحّل ما بين ام دخن وحفرة النحاس وقريضة وكفيا كنجي حتى حدود افريقيا الوسطى، وليس هنالك بقعة في جنوب دارفور خالية من حشائش السافنا الغنية أو الغطاء الغابي الكثيف او المزارع النضرة، ومعلوم أن جنوب دارفور هي ثاني ولاية من حيث الكثافة السكانية، بعد ولاية الخرطوم جلهم في الريف الأخضر، اين هذه المشاهد في مسلسل الدهباية؟
وبما ان عباس سافر بالقطار ملاحقا الدهباية في البقعة، هنا يمكن تصوير القطار من نيالا ــ الخرطوم، وعكس من يحمله من منتجات غرب السودان، ورصد ادبيات هذه الرحلة الممتعة، وتصوير طلاب الجامعات، والجنقو مسامير الأرض، هم وأطفالهم وقليل متاعهم وبعض حيواناتهم من نيالا وحتى محطة سنار التقاطع او مدني، ثم الترّجل والتوجه إلى حوّاشات القطن في بركات بمشروع الجزيرة، أنني على يقين، ان سلّط المخرج كاميراته على عباس وهو يحكي لرفيقه (زوج نصره) عن همومه ومخططاته وهو داخل هذا القطار العجيب في اطول مشاويره، لنام الشعب السوداني قرير العين، مطمئن على خيرات بلده.
لقد سنحت هذه الفرصة مرتين، عندما قرر عباس السفر إلى البقعة ملاحقا الدهباية وزوجها الأفندي، والمرة الثانية عندما تمكن الهرب من المستشفى وعاد إلى نيالا، سنحت فرصتان ذهبيتان لتصوير مخازن السكة حديد في نيالا والسجّانة، ورصد الناتج القومي من الزراعة في الريف، والمصانع في المدن، إن حدث هذا، حتى ان لم ينطق احد بكلمة، وترك الحديث للعدسة، سيكون بلا شك هذا امتع ما يشاهد المواطن السوداني، ويكون بذلك قد وثق جزءاً من تراث وادبيات القطارات وحركاتها ودور السكك الحديدية في خدمة الاقتصاد السوداني، لأن الكثيرين لم تتح لهم فرصة السفر عبر هذا الساحر، ناهيك عن الجيل الجديد الذي ولد بعد افول نجمه. فشل المخرج حتى في تصوير مناسب لحادث انقلاب القطار الذي ادى بوفاة زوج نصره،  ورفيق عباس للبقعة.
بالطبع مثل هذه المشاهد تكلف مليارات الجنيهات، لكن اقول بكل ثقة أن العمل الجيد سيدر مضاعف هذه التكلفة
هنا نذكر كيف ان هوليود استطاعت إعادة تصوير حركة قطارات البخار في الغرب الامريكي في نهاية الستينات من القرن الماضي لِما كانت عليها هذه القطارات في نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وإبراز ما كانت لها من سطوة وجبروت، وكيف أن لصوص القطارات، ينهبون الخزائن المالية والمرتبات والحوالات المرحّلة عبرها، وكانت من افضل افلام الكاو بوي على الإطلاق حتى الآن. عرضت هذه الأعمال الفريدة من خلال سلسلة افلام Alias  لـ Kid Curry و Hannibal Heyes واسميهما الحقيقيان Ben Murphy و Pete Duel وعندما انتحر الأخير عام 1971م واصل Ben Murphy مع Roger Davis ، ولكن ليست بالأريحية والانسجام مثل ما كان عليه مع ابن عمه المنتحر، ومن المفارقة هما ايضا كانا فارين من العدالة، ومطلوبين أحياء او اموات dead or alive ، وفي ذات الوقت، موعودين بالحصول على الإعفاء ان احسنا من تصرفاتهما، يستغلان القطارات والخيول للهرب والعيش في الأدغال والأحراش والصحارى، ولم يتركا بقعة من الغرب الأمريكي لم يصلا إليها. متعة هذه السلسلة تتمثل في مشاهد قطارات البخار والطبيعة العذراء والتنوع المناخي والبيئي, واعتمدت على كفاءة الكمرات المستخدمة لتوثيق هذا العمل.
كلا (الدالين) يعرضان رجل البوليس السوداني على انه مغّفل وقليل الحيلة، فلا يعقل أن يوكل ترحيل اثنين من "عتاولة" السجناء من شندي إلى ابودليك، مسيرة اكثر من ثلاثة ايام بلياليها، إلى نفر واحد من افراد البوليس، وهما يدركان أن مصيريهما الإعدام، او المؤبد على احسن تقدير، وعندما تحرك مأمور المركز (انجليزي) قائداً لعدد كبير من قوته، بعد مقتل هذا العسكري على يد دكين، تم تضليلهم ببساطة من قبل الهمباتة (مجموعة موسى الأمير) لأنهم يريدون دكين حياً لتصفية حسابهم معه شخصياً، كان بإمكان المخرج، إظهار اكتشاف المأمور للخديعة، وتصحيح المسار، أو من البداية، يقوم بتقسيم قوته إلى فريقين، فريق يعمل بإرشاد الهمباتة، والآخر ضده، لأنه ببساطة، رجل البوليس لا يثق في كل من يصادفه، أي يظهره حصيفا، حتى وإن كان مستعمراً، لأن ذراعه الأيمن هو الشاويش الفذ حمّيده (الممثل الكبير الراحل عثمان حمّيده)، ومن المفارقات، ذكر الأخير ان بعض مشاهد مسلسل دكين صورت في جبل مره. وبغض النظر عن انه كاتب قصة دكين، جاء اختباره كشاويش مناسباً، حيث انه كان اطول جنوده قامةً واكبرهم حجما.
كذلك استطاع عباس بمعاونة الممرض أن يسقيا رجل البوليس المكلف بحراسته في المستشفى، يسقياه عصير ممزوج بمخدر، تمكن بعده عباس من الاستيلاء على سلاحه والهروب. كان بإمكان المخرج أن يظهر العسكري الحارس على انه مهني ومدرب و"تفتيحه" لمقالب المجرمين، بحيث يدلق العصير توجسا، ويبحث المخرج عن حيلة اخرى لهروب عباس، سيما وأن السلاح الذي استولى عليه غير ضروري له في ملاحقته للدهباية.
من مصلحة من يظهر المخرجان رجالات الشرطة على انهم تعساء ومغفلين؟ لا يحدث هذا إلا في السينما الهندية كنوع من الـ fun، وحسب علمي أن كافة المشاهد السينمائية المحتوية على لقطات تخص القوات النظامية، تعرض على الجهات المختصة قبل البث، ولا اظن أن حدث ذلك ليوافق اصغر ضابط بوليس على اداء الكندي الامين لدور ضابط التحري في جنايات عباس، ببساطة لأنه شديد النحافة، ويبدو غير لائق بدنياً، وملابسه فضفاضة عليه، مما يظهره غير منضبطا، ومن المعروف ان معظم افراد القوات النظامية، يملؤون العين مظهرا وقواما، فارعي الطول، حازمي التقاطيع، لقد استمعت للفنان المبدع الكندي الامين في حوار معه عبر احدى الشاشات، وذكر ان عائلته يسكنون جوار مبنى التلفزيون القومي بالملازمين، لذلك جاء احترافه للتمثيل بالصدفة، وكانت اولى ادواره، دور ضابط بوليس في مسلسل الدهباية. وهنا يظهر المخرج الراحل فاروق سليمان على انه مجامل وغير جاد.
اظهار رجل البوليس ضابطا كان او عسكري نفر، في موضع الغفلة وعدم اللياقة، يضر بثقة المواطن فيه، ويثير البلبلة وعدم الطمأنينة في المجتمع، وهذا ما حدث بالضبط للدهباية، تقول باستمرار لخالد أنها خائفة من أن عباس سيهرب من ناس البوليس ويلاحقهما، رغم انه حُبس في نيالا وهما انتقلا إلى البقعة، وهذا ما حصل بالضبط، هرب عباس، فدخلت هي في نوبة كوابيس وهلوسة، وطلبت اللجوء إلى الفُقراء والشيوخ، لعدم ثقتها في البوليس، لردع عباس وايقافه عند حده، وخالد بدوره، دخل معها في هذه الحالة، عندما قال، أنا عامل حسابي، في اشارة إلى حصوله على مسدس.
و لمصلحة من يصور الممرض (علي) على أنه مرتشي وخائن؟ ساعد عباس على الهروب، وقبض الثمن، دون ان يردع، مما شجعه للمرة الثانية للتعاون معه في اختطاف ابن الدهباية، هذه المشاهد ليس مستبعداً أن يغري الآخرين على حذو ذات المسلك، كان ينبغي أن يطرد الممرض من الخدمة، ويوبخ على تصرفه، ويظهر الندم، واظهار بؤس حالته فيما بعد، جراء تصرفه المخجل هذا. ليس جميع من يشاهدون مثل هذه الاعمال الفنية هم من البالغين أو الراشدين أو المحصنين إعلاميا ضد مثل هذه الرسائل السالبة.
ونحن ما زلنا نحوم حول المسائل الأمنية، اعتقد ان مخرج الدهباية كان موفقا في اختيار خفير عمارة البرجوازي حاج مبارك وعائلته الكريمة من شخصية غير نمطية (محمد خلف الله)، فكما درجت السينما المصرية على تصوير محمد احمد السوداني على أنه الخفير الأوحد لكافة بنايات مصر، كذلك درجت السينما السودانية على اسناد هذه الوظيفة إلى جهويات وشرائج معينة من التركيبة المجتمعية السودانية، إلا ان الراحل فاروق سليمان كسر هذه القاعدة.
رغم ان دكين قتل انفس عديدة غدراً، معظمهم قد احسنوا إليه، لم يعدم النزعة الإنسانية، فنقطة ضعفه هي شقيقته الرضيّة (هادية طلسم)، التي اراها لا تقل حنينا ووفاءً لشقيقها عن تماضر شقيقة صخر، ولولاها لما عاد دكين إلى شندي، كما أن دكين ازجى معروفا للزين، فقد انقذ حياته من اعتداء الهمباتة، والزين في مسلسل دكين، هو عباس الدهباية ذات نفسه (صالح عبد القادر)، وقد عشق دكين شقيقته بدور بت العمدة من اول نظره، وهي الدهباية ذات نفسها (هالة اغا)، وهنا نجد أن نظرات الاعجاب كانت متبادلة رغم ان الحب كان سراً، عكس عباس للدهباية، حب من طرف واحد. وعندما تم القبض على دكين، نجح في التنكر، فمنح المأمور الشاويش معاش حميّده ساعة واحدة لإثبات انه دكين، وكان بإمكانه ان يفلت مرة اخرى من العدالة، لولا نقطة ضعفه، أي حنينه لشقيقته الرضية، والتي كسرت قلب المأمور قبل دكين بشعرها المؤثر، وكلامها الرقيق، والتي سار بها الركبان إلى يومنا هذا، والتي اذابت جَلَد وصلابة قلب دكين، واجبرته على الانهيار والاعتراف انه دكين وليس سالم، مسلماً عنقه طائعا للمقصلة، في مشهد ملحمي، أي أن نهاية دكين، رغم جرائمه، كان بطولياً، اجبر المشاهد على التعاطف معه.
اما عباس، فقد صوره المخرج على انه عديم الإنسانية، منزوع الرحمة، أناني لا يحب ألا روحه والدهباية، لم يعرف له جميل على احد، ورغم انه يوصف بكتّال الكتلا، لم نعرف على وجه التحديد من الذين قتلهم قبل عشقه للدهباية، نعم أنه شرع في قتل الأفندي الذي تجرأ لنيل شبّال من بنت خالته، ومحبوبته في تحدي واضح امام خلق الله، وكذلك شرع في قتل السيدة نصرة ارملة زميله لأنها افشت سره للأفندي، وافسدت عليه كافة مخططاته التي هاجر من دلال العنقرة إلى البقعة من اجلها، أي قد يوجد من يتعاطف مع عباس، في بعض تصرفاته، إلا ان المخرج، اظهر نهايته كإنسان همجي، حيث انه خطط وشرع في اختطاف ابنة خالته وابنها بقوة السلاح ليتخذها زوجة له، رغم علمه أنها حليلة إنسان و(مرة راجل) آخر شرعا، وان حبه لها من طرف واحد، هذا التصرف يضع عباس في موضع البهيمية والهمجية، يتصرف خارجا عن العرف والشرع، سيما وان ما يعرف بزواج (الجبونقا) في غرب السودان، قائما في الأساس على الرضاء والاتفاق، وقد رسخ الأدب الشعبي لهذا المبدأ، حيث غنى زكريا الفاشر:(اسمعو يا بنات جبونقا اتفاق) وهذا النوع من الزواج القائم على اضطلاع القاضي الشرعي بمحل ودور الولي في شروط صحة الزواج، في حال تعنت ولى البنت البكر، ورفضه طالب الزواج من وليته، فيأخذها الخطيب سرا ويهرب بها إلى محراب القاضي الشرعي، لتصبح زوجة له شرعا، وهنالك من الفقهاء من يجوّز هذا المسلك، واظن المالكية منهم. وهذا النوع لا ينطلق على حالة عباس والدهباية، لأنها متزوجه، وهي غير راغبة في عباس من الأساس، لذلك صورت السينما السودانية دكين كبطل، وعباس كهمجي وارهابي يهاجم محبوبته بالسلاح الآلي وهي على سرير الوضوع، وأنه جبان و"خايب" يطلق النار على نسوان عزّل!!
مسلسل الدهباية تم انتاجه من قبل شركة أنهار للإنتاج الفني، أما مسلسل دكين فقد تكفّل به التلفزيون القومي، ويحدونني كبير العشم، أن يتولى الأخير، إعادة تصوير مسلسل الدهباية مع مراعاة كافة ابعاده الممكنة بميزانية مفتوحة، وبتؤدة وروية مهما استغرق من زمن.
//ابراهيم سليمان//


الأحد، شوال 05، 1437

مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية

مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية


تابعت مسلسل الدهباية الإذاعي وأنا في المرحلة الثانوية، لم يكن لدينا تلفزيون في داخلية مدرسة كتم الثانوية، كنا نهرول للتجمع جوار جدار احدى العنابر، لمتابعة المسلسل، عبر إذاعة هنا ـ امدرمان، حتى قبل ان نغيّر ملابس الرياضة، وأحياناً "نكلفت" صلاة المغرب، ونتجاوز الباقيات الصالحات من أجل حضور الحلقة من قولة "تيت"، وعندما بثت حلقات المسلسل التلفزيون، لم اكن مشدوداً للمتابعة، لكنني شاهدتها قبل فترة لمرتين متتاليتين، متقمصاً عدسات ناقد "جرمندي" ودونت عدة ملاحظات، آمل ألا ينظر إليها خارج إطارات هذه العدسات.
بإجراء مقارنة بسيطة بين مسلسلي الدهباية ودكين، نجد أن عباس قد تشيطن، لرفض الدهباية الزواج به وتفضيلها الأفندي الغريب عليه، حيث قال في لحظة مناجاة مع نفسه، عندما اسودت الدينا في وجهه، وضاقت عليه الارض بما رحبت، وتعب من ملاحقة البوليس قال: يا عباس، كنت رجلا زين، إلاّ الدهباية!. الشيء نفسه، لو أن ابنة عم دكين، قد قبلت الزواج منه، على الأرجح أن يستقيم، فقد طُرد شرّ طرده من قبلها، بمعنى أن الصدمة العاطفية، هي الدافع الرئيس للجريمة، التي قد تهز مجتمعات بأسرها، هنا يحضرني، مشهد من مسرحيات الفاضل سعيد عندما فقد وظيفته بسبب الآنسة محاسن، قال: والله انتو يا بنات حواء، طلّعتوا ابونا آدم من الجنة، ما تطلعوني أنا من الوظيفة! ثم غادر عتبة المؤسسة التي كان يعمل بها.
ــ من الموازنات، كما ترفض الأسرة (الامدرمانية)، زواج ابنهم من إنسانة من الهامش، في نظرهم غير معروفة الأصل والفصل، كذلك في البداية، يرفض اقرباء الدهباية الأفندي زوجاً لها لأنه غريب وغير معروف الأصل والفصل، رغم انهم في النهاية رجحوا اخلاقه وطيب معشره فظنوا به الخير متجاوزين التثبت من اصله وفصله.
ــ ومن المفارقات ايضا أن اسرة الدهباية، والتي تمثل الهامش، تبدو اكثر قبولا للآخر من اسرة زوجها خالد والتي تمثل مجتمع المركز في عقر تمدنها "البقعة"، إذ تعكس الأسرة (الامدرمانية) قمة التعجرف والاستعلاء، انطلاقا من ادعاء والد خالد ان سبب "مرمطة" ابنه لسمعة الأسرة تتمثل في رفضه زواج ابنة اخيه، هنا يبدو المشهد مقلوبا، فالمتوقع إن ينحاز اقرباء الدهباية إلى ابن خالته عباس ضد ابن البندر الغريب، بحكم التركيبة العشائرية، وحياة البداوة.
ــ من المفارقات أن اسرة خالد تسأل عن قبيلة عروس ابنهم، وانهم ينظرون نظرة سالبة للغاية للمرأة العاملة، والإصرار على وصفها بأوصاف قاسية مثل مطلوقة وواحدة من الشارع، واذا استندنا على السياق الزمني من الأزياء والأثاث المنزلي، فإن الأمر ليس في زمن بعيد، مثل هذا التصرف لا يمت للتمدن بصلة.
ــ لم ترد كلمة قبيلة او عشيرة من أي من افراد اسرة الدهباية، في حين ترددت الكلمة مرارا على لسان رب الأسرة الامدرمانية، منها
ــ يقول والد خالد: "ايوه، ما لقاها فرصة، ولد قبايل" اعتراضا على تزويج ابنه خالد من الدهباية دون حضوره او من ينوب عنه
ــ يرجئ حاج مبارك سبب حنقه على أبنه، انه رفض أبنة عمه التي يصفها بانها بت القبائل وبت الاصول، ليتزوج واحدة مطلوقة تعمل في السوق، لا اصل ولا فصل لها، على حد وصفه لها.
ــ يقول حاج مبارك لزوجته، هسي الزعل دا لوزمه شنو؟ طالما ولدك نسى مركزو، ونسى أصله، ونسى قبيلته، وإتزوج واحدة بيّاعة في السوق
ــ تنتفض الأرملة نصرة التي تسكن حي كوبر بالخرطوم بحري، تنتفض لكرامتها، عندما سئمت من الاعيب عباس قائلة، ترا أنا بت اصول وبت قبائل، يا تطلبني عديل بالدرب، ولا اطلع برّا، وتاني ما تجي البيت دا
ــ يقول عباس لابنة خالته الدهباية: انتِ من توب وهو من توب أي زوجها خالد، وانا من دمك ولحمك، ويقول لحاج سليمان: ترا انت كبيرنا وشيخ الفريق، عندما حضر له متسللا طالباً منه الحماية من ملاحقة البوليس، ولم يذكر القبيلة او العشيرة.
ــ تبدو الأسرة الامدرمانية معزولة تماماً، وليست لها اية امتدادات، أو صداقات من اية نوع، خلافاً لأسرة الدهباية اليتيمة، لها كبير "حاج سليمان" وصداقات واقرباء وترابط وزيارات متبادلة ومناسبات أفراح وأتراح متكررة ومتنوعة، يفرحون لفرحها، ويشاطرونها الحزن.
ــ يقول حاج سليمان لحاج خالد في اولى زيارة عائلية لهم في دارهم بالبقعة: بلدنا بخيره، بهايمنا كتيرة، وعندنا سمن ولبن وعسل، كان الأجدر بالمخرج تسليط الكاميرا على هذه المنتجات، سيما وان المشاهد قد صورت خلال فصل الخريف، فقد عكست الكاميرا سوق الخردوات، والصناعات اليدوية، بدلاً من منتوجات الألبان والخضروات الموسمية، واقتصر مشهد قطيع الأبقار في بضع ثوان خلال المدة الكاملة للمسلسل، ومعلوم أن منطقة جنوب غرب دارفور، من اغنى بقاع البلاد من حيث تعداد الثروة الحيوانية، وتوجد بها أدغال كثيفة وتنوع بايلوجي ثر، فإن كان المخرج معنى بإبراز هذه المقدرات الاقتصادية الهائلة والجمالية، لرصد قطعان مهولة من الابقار في مراعيها الطبيعية، وكذلك سرب من الحياة البرية، وهنا يحضرني المشهد الموفق لكاميرة مسلسل دكين وسط سوق تمبول، فقد رصدت جِمال معروضة للبيع على مد البصر تقريباً.
ــ الطائرة التي هبطت في مطار نيالا، وعلى متنها حاج مبارك وزوجته، بدون هوية وكأنها طيارة "كارقو" متسخة، ولا أدري لماذا ركّز المخرج على مؤخرتها (العادم)؟ إن كان المخرج معني بسمعة البلد، بإمكانه تصوير الطائرة الرئاسية، إن لم يعد وجود لأسطول سودانير
ــ طلب ام خالد لفتيل الريحة (باس وورد) إضافية لنفسها، بالإضافة لواحدة كهدية للعروس، حسب توصية وذوق ابو خالد، هذا التصرف فيه ترويج مجاني قد يكون لريحة رديئة
ــ خالد الذي يمثل دور الأفندي والرجل الملاك، في وجه عباس (كتال الكتلا)، وكذلك زوجته الفنجرية والرقيقة الدهباية، بالإضافة إلى آدم وزوجته حواء، جميع هؤلاء يتفوهون بالقتل ويهددون به، ولم يسلم من هذه النزعة العدوانية سوى حاج سليمان وتربس وزوجته الرهيفة النعمة. ومن الملاحظ أن آدم عندما حضر الي البقعة، في معية حاج سليمان وبقية افراد اسرة الدهباية، كان جالساً في صالون حاج خالد الوثير، وواضعا سكين الضُراع في وضعية عدوانية؟ هذه مبالغة في تصوير اهل الدهباية على انهم اشرار.
ــ بهذا التنميط والرمزية التي لا يخطئهما المتابع الحصيف، صور المخرج مجتمع الدهباية، كمجتمع عدواني، لا يعرف إلا القتل سبيلاً لحسم مشكلاته الاجتماعية، ولم يسلم من هذه العدوى حتى الأفندي خالد الذي ناسبهم وعاش وسطهم، فقد سمعناه يتلفظ بالقتل، وكذلك رأيناه حاول قتل محبوبته الدهباية، لمجرد وسوسة وشبه واهية بخيانة زوجية لم يتثبت منها.
ــ تكالب الثلاثي عباس "الشيطان" وحاج خالد وحسن افندي، على أمرأه حامل في شهورها الأخيرة، يتيمة ومكسورة الجناح، في مشهد تراجيدي، يصور مجتمع البندر، كمجتمع معدوم المرؤة، لا يحمى شرائحه الضعيفة، فقد هموا بتسليم إنسانة ضعيفة حتى قبل أن تضع لهم مولودهم، إلى رجل يتطاير الشرر من أعينه، دون رغبتها.
ــ الأفندي خالد، وسط مجتمع غريب عليه، يتجرأ ويأخذ شبال من اجمل بنات البلد، مع سبق الإصرار والترصد، ليس غريباً أن يتعرض للطعن بالسكين على يد ابن خالتها "عباس"، ومن الطبيعي أن يردع من تصرفه المستفز هذا، إن حدث في اية بقعة بقاع الريف السوداني، ولكن الردع ليس بالضرورة ان يكون قتلا، هنا كان ينبغي أن يتمحور تحري وكيل النيابة مع عباس الذي اعترف بالإصرار والترصد، وهنا كان ينبغي ان يكون مرتكز نصائح حاج سليمان (كبير فريق عباس) وخلاصة لومه له عندما لاذ به من ملاحقة الشرطة له.
ــ غير منطقي، أن تحلف الدهباية بالشيخ احمد التجاني، وهي لا تعرف إلا البقعة كاسم لامدرمان، ومعظم الرجال من اقربائها، يلبسون الجلاليب الأنصارية، علماً بأن رهيد البردي هو معقل خليفة المهدي عبدالله ود تور شين؟ ودلال العنقرة من توابعها.
ــ من المعلوم أن الشلالات موجودة في السودان في جبل مرة وعلى النيل، ومعلوم أن جبل مرة من نيالا اقرب للعريسين، افندي خالد والدهباية من النيل، وبها استراحات مجهزة للعرسان، فلم لم يهتبل المخرج هذه الفرصة لتصوير شلالات مرتا جلّو وقولو في ابهى مناظرها، بدلاً من الشلال على النيل والتي تظهر وجود اشجار النخيل، سيما وأن  الدهباية غير مرحبة بها من قبل اسرة الأفندي خالد في  العاصمة "الملازمين"؟
ــ لس هنالك في غرب السودان، من يشد (يحّمل) جركانات ماء على حمار عِري (بدون سرج)، وهو ما حاولت الدهباية القيام به في المشاهد الاولي للمسلسل، وهي ورفيقتها النعمة، مما تظهر البطلة ورفيقتها كبنات بندر وليست قرويات.
ــ نصرة الساكنة في حي كوبر بالخرطوم بحري، لديها برندا مبني من قش (قصب الدخن)، اعتقد ان هذا المشهد من نيالا. اولاً قصب الدخن كمواد للبناء غير متوفر في ضواحي الخرطوم، ثانياً هذا المشهد غير مستق زمنياً مع نوع الأثاث الموجود في صالون حاج مبارك، ونوع العربية التي يمتلكه لاندكروزر VXR
ــ رغم المقدرات الفنية الرفيعة لكافة نجوم هذا المسلسل، هالة اغا، طارق على، صالح عبد القادر، عوض صديق، محمد شريف على، بلقيس عوض، ألا أن ما شدني وابهرني، هو دور حسن افندي، والذي قام به صديق صالح، كأخ أكبر لخالد افندي، تمنيت ان يكون لي اخ بهذه المواصفات، اخ حلاّل المشاكل، حاسم، واثق من كلماته وتصرفاته، يقول الكلمة المناسبة لوالديه، واخيه الأصغر، وحتى الدهباية زوجة شقيقة خالد رغم بعض مواقفه غير الكريمة منها. اشهد ان الاستاذ صديق صالح فنان بارع، وممثل جاد للحد، اتمنى أن اراه في كافة الأعمال الجادة.
ـ بلا شك أن الموسيقى التصويرية لمسلسل الدهباية التلفزيوني، آسرة للحد البعيد، واصبحت آيكونة نغم، على غرار شعار فيلم الكاوبوي الأشهر عالمياً (من اجل حفنة دولارات A Fistful of Dollars  بطولة Clint Eastwood، سيما وأنهما متشابهين إلى حد كبير، أي الموسيقى التصويرية، وأنه الأقرب للحن االمقطوعة الموسيقية الخالدة (القمر بضوي انا شن بلاني بالنجوم) إلا انني اعتقد أن كلمات شعار المسلسل الإذاعي أكثر عمقا وتعبيرا عن محورية البطلة (الدهباية) في مجريات الأحداث، ومحيط مجتمعها
كلمات الشعار الاذاعي تقول:
يا يا خلاصة الدهب الاصلو ما بتغير
لو جار الزمن
وخلي الجميع يتحير
هنا الوصف مباشر عن الذهب الخالص والصمود على الخلق القويم أو عن جمال الخليقة الذي حيّر الجميع
اما كلمات المفتاحية لشعار التلفزيوني تقول:
شنقلي طوباية
تلقي لي دهابية
هنا رغم ان مدخل الاغنية تراثية راسخة في غرب السودان، إلا انه يتحدث عن البحث عن الذهب المغطى بالطوب، أي الكنز، وهو مدخل عام وليست ذات خصوصية بالبطلة.
ــ الإيحاء بأن افندية نيالا وطلابها، لا يذهبون إلي دلال ـ العنقرة إلا من اجل الرقص في النقعة (ساحة اللعب)، إو من اجل مشاهدة الفنجرية الدهباية، فيه شيء من الابتسار يظهر أن الريف معدومة الخيرات الجاذبة لأفندية "المدن" غير اللهو اللعب، كما يظهر الدهابية كراقصة استعراض تشد لها الرحال، ولا اظن أي من هاتين تعتبر قيمة إيجابية.
ــ أعتقد ان الراحل الكبير فاروق سليمان شيخ المخرجين، عليه الرحمة، يبدو كان "شفقان"، وفي عجلة من امره بعض الشيء، أو أنه لم يضع اية اعتبار للبعد السياحي والترويجي لهذا العمل الغير مسبوق في غرب السودان، ويبدو انه التزم بنص السيناريو وليس روحه، أو كأنه كان مهموماً بتحويل مشاهد المسلسل الإذاعي إلى مشاهد حية كما هي، او لم يدر بخلده أن هذا العمل الكبير، قد يجد حظه في العبور إلى خارج الحدود، فقد علمت أن مسلسل الدهباية قد عُرض في بعض الدول العربية منها سوريا وجيبوتي.
أعتقد ان مثل هذه الأعمال الكبيرة، تحتاج لمستشارين عدول في التراث والموروث الشعبي المحلي، ومستشارين سياحيين، ومستنيرين ملمين بالمنطقة من كافة جوانبها، ومن الضروري الالتفاف إلى آراء نقاد محايدين قبل البث.
ليس ثمة جدل في أن مبدأ الفن للفن قد تخلى عنه الكتاب والمخرجين والدرامين الكبار، واصبح النظرة الشمولية للعمل الفني تضع رموز الفن في مصاف رجالات دولة، يروجون للقيم الفاضلة، ويعكسون الأبعاد السياحية والوجه المشرق لشعوبهم وبلدانهم، يعالجون التعقيدات الاجتماعية بعيداً عن الترويج للجريمة والانحلال، سيما وإن كان مسرح الأحداث لا تزال بكر امام العدسات، فمن المخل الانحسار في حدود العقدة الدرامية.
//ابراهيم سليمان//


لم لا يلعب الثوار "بلوتيكا"؟

لم لا يلعب الثوار "بلوتيكا"؟ مقال لم يكتمل


الفعل ساس يسوس، يُبنى على تقدير الظرف السياسي، وينصب بحذف التكلس الفكري المانع للمراجعة الضرورية، ويجر حقا لا مجازاً بالدهاء والمكر، والسياسي الداهية يسير في خطٍّ منحنٍ أو ملتفٍ ولا يبالي بطول المسافة لإدراك الغاية المطلوبة، لكنه لا يعبر جسور الباطل ليصل إلى شواطئ الحق، اما السائس الغبي او الأرعن، فربما جنح إلى السِلم والحرب أشرف منقلبا لقضيته، أو أَذَّن بحرب والصلحُ أقرب وسيلة إلى تحقيق مآربه واسعاد جماهيره، ومعلوم أن الدهاء كل الدهاء التغافل عن كل ذنب لا تستطاع العقوبة عليه، ومن عداوة كل عدو لا تقدر على الانتصار منه. ذكر ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: إنَّ العرب أبعد الأمم عن سياسة الـمُلْك، وزاد على قوله هذا: إن العلماء من بين البشر أبعد الناس عن السياسة ومذاهبها، وفنّد رأيه هذا بأنهم معتادون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية، والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج، وما يلحقها من الأحوال، ويتبعها من الآثار.
والحقيقة التي لا مراء حولها، هي ان الظرف السياسي الراهن في شقيه الاقليمي  والدولي ضد ثوار الهامش، رغم أنه ليس في صالح النظام تماماً، فالبشير كسب الرؤساء الافارقة في دول الجوار، وخسر نفسه وشعبه بحماية الفساد ورعاية المفسدين، والمجتمع الدولي أنصرف عن جرائمه مؤقتا، ولكنه لم يعطيه وجها، وهو يلاحقهم بحذر، ويخشى إن التفتوا إليه سيطلقون عليه النار، وظل طيلة سني حكمه يشتري الوقت ويتاجر في الذمم، وقد تراكمت مديونيته لدى الشعب السوداني، ووصل إلى شفا الإفلاس السياسي والاقتصادي، ونعتقد أن تنظيمات الهامش الرئيسية اكتسبت مناعة ثورية ضد مضاعفات الانشقاقات المفتعلة، وأن النظام قد وصل درجة التشبع من الفصائل عديمة الفائدة، وليس هنالك خوف على ما تبقى من القيادات الثورية الراكزة من الغواية الانقاذية.
في مثل هذه الظروف لم لا يراوغ الثوار بالجنوح للحوار ووقف اطلاق النار، المفضي لتمرير الإغاثة للمتضررين، وإنتهاج سياسة كسب الوقت، والحرب خدعة والسياسة بها السر والجهر ... اوباما السلبي والمتردد مغادر .. وهنالك من يرى أن ترامب ارحم للنظام من كلنتون ..  والبشير قبض الريح من عاصفة الحزم .. وليبيا حبلى بالمفاجآت .. والعلاقة مع مصر مفتوحة على كافة الاحتمالات .. والفقر تولى مسئولية هد النظام نيابة عن المعارضة ...
 //ابراهيم سليمان//


الثلاثاء، شعبان 10، 1437

الثورة تُراجع ولا تتراجع

الثورة تُراجع ولا تتراجع

رغم أن عنوان هذا المقال، شعار منسوب لسفاح هالك، إلا انه لا يضيرنا استخدامه، فلكلٍ ثورته، واللغة ليست حكراً لأحد.
القليلون هم من يشككون في أن الثورة الحقيقية المضادة لنظام البشير قد انطلقت شرارتها في سبتمبر وتجددت في ابريل، والكثيرون يرون ان نظام الإنقاذ قد وصل إلى الحضيض في تراجعه عن الثوابت الوطنية والقيم الأخلاقية، ومنذ البداية كان رهان ثاقبي النظر على الحركة الطلّابية في هزيمة الانقلابين، ويبدو انهم الرابحون، وإن طال الترقب وامتد الانتظار.
معروف كيمائياً، أن مثلث الاشتعال، قاعدته الحرارة، والوقود والأكسجين يشكلان الضلعين الآخرين. ومراجعة الثورة المباركة الحالية ينبغي ان يتمحور في هذا المثلث. فالراصد لدرجات الحرارة السياسية في البلاد، يلاحظ أنها تجاوزت الخط الأحمر المرسوم بدماء الشهداء، وأن التنور قد فار، والفاحص لتاريخ الملحمات الوطنية، يجد أن طلاب الجامعات هم وقود هذا الثالوث، ومن الملاحظ أن اعدادهم قد تضاعفت مئات المرات منذ تحويل النظام معظم المدارس الثانوية إلى جامعات، والمراقب للحركة الطلابية، يدرك بسهولة، أنهم قد كسروا حاجر الخوف من آلة النظام القمعية، وأنها توحدت وجدانياً على امتداد ربوع الوطن، واصبحت كالبنيان المرصوص، ما ان استشهد لها طالب، تداعت لها كافة الجامعات بالثأر والفوران.
 أما اكسجين ثورتي اكتوبر وابريل، فهو من شقين، تحرك القيادة السياسية وانحياز القوات المسلحة، وهما يأتيان تباعاً كاستجابة تلقائية لتفاعل عنصري الحرارة والوقود، وليس قبلهما، وبغض النظر عن ماهية تكوين الجيش وطبيعة عقيدته، فلا غنىً عن دوره لإكمال اضلع الاشتعال، وشبه مستحيل نجاح الثورة بدون مباركتهم، والأمل لا ينبغي أن ينقطع في انحيازهم، لأن قياداته هم ايضا بشر، ولهم تقديراتهم وحساباتهم الخاصة، والعنصر الأساسي لربط القوات المسلحة بهذا المثلث، هو انعدام الثقة، وتواتر ثقافة خيانة الرفاق بين منسوبيها، ولا ينبغي اليأس من محاولات اختراقها في الرتب الوسطى والدنيا، فالعمداء وما دونهم من الضباط بمقدورهم تجيير انحياز الجيش للشعب.
اما بالنسبة للقيادة السياسية، هناك تململ وعدم قبول واسع النطاق للزعامات التاريخية، وأبناء الاسر الكبيرة الذين يتكسبون سياسياً بأسماء اسرهم ويتخطون الرقاب بأنسابهم، ولهم مبرراتهم التي لا خلاف عليها، منها أن هذه الزعامات انتهازيون ونفوذ بيوتاتهم هي جزء من ازمة الحكم وسبب رئيس في اخفاق التجارب السابقة. إلا أننا نرى في هذه المرحلة، إن كانت كاريزما هذه الزعامات ورمزية اسرهم الطائفية ستضيف اكسجين اضافي ضروري لعملية الاشتعال، ليست من الحصافة السياسية المجاهرة برفض دورهم إن تقدموا الصفوف، لأن حقن نزيف دماء الهامش، ووقف تدمير مقدرات البلاد، مقدم على محاسبة هؤلاء على فشلهم المزمن،، واستغلال نفوذهم الطائفي في سلب مقدرات الغلابا بصور انتهازية مفضوحة. وفي تقديرنا أن معاقبة هؤلاء يجب أن تتم عبر المحاكمات السياسية مستقبلا، ومن خلال التوعية الجماهيرية بانتهازيهم.
والزعماء الذين آثروا الغربة على سجون النظام وزنازينه، والذين يخاطبون جماهيرهم online من وراء الحدود، نقول لهم، فليكن لكم في زعيمة المعارضة البورمية أون سان سو تشي قدوة حسنة، وهي الحاصلة على جائزة نوبل للسلام 1991م، فقد وضعتها سلطات بلادها تحت الاقامة الجبرية عام 1989 م وتم عرض الإفراج عنها مقابل مغادرتها البلاد ولكنها رفضت، وظلت ترفض الدعوات المقدمة لها من المنظمات الدولية لحضور فعالياتها خارج بلادها، قائلة، إنها إن غادرت، فلا تضمن سماح السلطات لها بالعودة إلى شعبها، بينما يقول زعماء المعارضة في بلادنا الذين فروا بجلودهم تاركين شعوبهم يواجهون مصيرهم، يقولون، إن عدنا لا نضمن أن تسمح لنا السلطات الإنقاذية بالمغادرة مرة اخرى، ويا لها من مفارقة.
كما أننا نرى ان البيانات الصادرة من الحركات الثورية، المؤيدة للتحركات الطلابية، مضرة بالثورة المباركة، إذا أن زبانية النظام تتذرع بها للتنكيل بالمتظاهرين، وتستغلها في تعبئة مضادة، قد يصدقها  خفاف الرؤوس، بما أن دور  ونوايا هذه التنظيمات الثورية، غير منكور ضمنياً لدى للشارع السياسي، ننصح بالتوقف عن إصدارها مستقبلاً. وليتهم وجهوا منسوبيهم بالتماهي في الحركة الطلابية وتبني شعاراتها العامة، التوقف عن رفع الشعارات الثورية المسلحة والتي تبرر لزبانية النظام، تصويب الرصاص الحي على صدورهم دون غيرهم.
وفي هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ السودان، أعتقد من المفيد أن تركز جميع فصائل المعارضة  "الشريفة" في كيفية إسقاط النظام، وتأجيل مسألة ماذا بعد إلى الخطوة التالية، لأنها خلافية والغوص فيها تصب في مصلحة النظام، الذي يتضرر الجميع من استمراره.
ومن الواضح هناك سباق محموم بين فئتي، دعاة الإسقاط ودعاة التغيير، وبلا شك أن هذا الزخم السياسي لهذا السباق، يثير بلبلة لدى الرأي العام الداخلي والعالمي، مفاده أن النظام فقد مقومات الاستمرار، وانه آيل للسقوط، وهذا مفيد بالطبع في رفع درجة سخونة الساحة السياسية، وفي تقديرنا ان على دعاة الإسقاط ألاّ يعيقوا جهود دعاة التغيير، ببساطة إن فشلت مساعي الإسقاط، فإن كان من شأن التغيير وقف نزيف الدم على اقل تقدير، لهو افضل من استمرار الوضع الحالي، سيما للذين يدرؤون خطر الموت اليومي باللجوء إلى الكهوف وجذوع الأشجار، رغم أننا لا ننصح بتنسيق الجهود بين الفئتين، لأن دعاة التغيير لا يمكن الوثوق بهم، ولأن معظمهم ملوثون، ومن الأهمية بمكان الحفاظ على طرح الإسقاط ثم التغيير الراديكالي لكيفية حكم البلاد بمعزل عن "دغمسة" ومكر الإسلاميين.
فإن كان دعاة الإسقاط بواد، ومر بهم دعاة التغيير، فمن الحصافة السياسية، إفساح الطريق لهم، وعدم كعبلة مسيرتهم، بحجة أن "الإسقاطيين" هم اولى بصيد رأس النظام وأعوانه، الذين هم بصدد توفير الحماية لهم، ومن ثم ورثة اشلاء منظومتهم.
وفيما يخص الملاحقة ثم المساءلة الجنائية، فإن دعاة التغيير، لا يملكون لرأس النظام ولا لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ويخطئون التقدير ان ظنوا أنه بإمكانهم إجراء محاكمة صورية للبشير وأعوانه بغية تضليل الـ ICC واستغفال المجتمع الدولي، ببساطة لأن من أنضم أو عمل مع النظام في اية مرحلة، فهو بالطبع شريك اصيل معه في كافة جرائمه، وبالتالي تسقط عنه أهلية محاكمة رموزه، او حتى مجرد التوصية بشأن مصيرهم، وأظن أن هذا الأمر بديهي قضائياً، ولأن هؤلاء التغييرين، مهما اوتوا من قوة، ليس باستطاعتهم تمثيل الشعب السوداني فيما يخص مصير رأس النظام واعوانه المطلوبين دولياً، لأنهم شرذمة قليلون. فإن نجح التغييريون في "فصل" رأس النظام، او اقناعه بوقف فصل رؤوس أبرياء الهامش عن اجسادهم عبثياً، فإن ذلك في تقديرنا لن يضير الإسقاطيين، بل من المرجح أن يسهل مهمتهم إن استطاعوا المحافظة على مبدئهم. سئل ونستون شرشل عن النجاح فقال أن تنتقل من فشل إلي فشل دون أن تفقد حماستك.
الرأي المضاد لهذا الطرح، هو التصدي لإفساد مساع "التغييريين" والتي يراها البعض ما هي إلا نوع من ذر الرماد في العيون، لتمكين النظام من عبور المرحلة الحرجة التي يمر بها، وهم محقون في هذا التشكيك، لكننا نرى أن في هذا تشتيت لجهود "الإسقاطيين" وصرفهم عن جادة إيجاد حلول عاجلة للذين يواجهون خطر الموت المجاني يومياً. فالذين يقولون دعوا هذا النظام يستمر كما هو في القتل والتدمير، ريثما تتمكن المعارضة "الشريفة"، من تجاوز خلافاتها والتئام شملها لاقتلاعه من جذوره، نظن ان ايدي هؤلاء في الماء البارد.
ظل الشعب السوداني ينتظر الاسقاطيين سنينا عددا للاتفاق على الحد الادنى من الثوابت اللازمة للتصدي لتسلط النظام، وظل اهل الهامش يواجهون الموت الزؤام يوماً لأكثر من عقد من الزمان، وحتى اللحظة إذا نظرنا لهم بشقيها المدني والثوري المسلح، نرصد لهم عدد من التحالفات، وكم من الجبهات، والتكتلات والتجمعات، وعدد لا يحصى من الوثائق والنداءات الموقعة، فبدلاً من إضاعة الوقت والجهد في عرقلة جهود التغييرين، والتي لا يساورنا الشك في  عدم مصداقيتهم، إلا أن الاولي بهم بذل الطاقة والشعور بالمسئولية لتوحيد جهودهم لتوفير الاكسجين لأبنائهم الطلاب الذين ما لبثوا يقدمون الارواح سخية منذ مجيء الإنقاذ، كوقود لتهيئة الظروف الكيميائية لإكمال عملية الاشتعال الجماهيري لتضيء وهجها طريق الخلاص للبلاد التي تخلفت عن الركب بملايين الفراسخ.
ولا شك عندنا أن الاسلاميين ملة واحدة، ولكن هناك متضررون من مآلات النظام الحالي، ولا شك في أنهم يناورون من اجل استمرار نظامهم، ولكن بتكلفة اقل مما يكلفهم دفعها السفاح البشير، ولا شك ان منهم من يتطلع إلى العيش بسلام مع المجتمع دون دفع ثمن اخطائه، فإن كان هؤلاء يريدون إزاحة رموز النظام الحالي، فليفعلوا ونتحاسب، وفي غضون ذلك فليتكتل الإسقاطين لكنسهم جميعا، فمنهم من يخلد في النار، ومنهم من يزجر ليتطهر قبل أن يفتح له نفاج المشاركة في السلطة. ورغم أن مماحكة الإسقاطيين عمل مشين وتصرف غير مسئول، إلا أنه غير مبرر لوضع الأيدي في أكف القتلة ومصاصي دماء الشعب.
عودة مرة اخرى للحرارة كقاعدة لمثلث الاشتعال، فقد ظلت حرارة الساحة السياسية في تصاعد مستمر، ووصلت درجة الغليان مرتين، في سبتمبر 2013م وابريل من هذا العالم، ولكي تستقر في الفوران، على كل من يستأنس في نفسه صفة الزعامة السياسية او المدنية، أن يوفق اوضاعه، ويستعد للرحيل إلى سجن كوبر أو احمد شرفي، فإن كنا صريحين، لا يمكننا القول أن الشارع السياسي ساخن بما فيه الكفاية لإشعال الثورة، وجميع القيادات المعارضة ينامون في بيوتهم مع زوجاتهم، والنظام يتباهى بأن سجونه خالية منهم. هذه الخطوة تقتضي خروجهم جميعاً إلى الشارع العريض بدلاً من المشي "جنب" الحيط، وما قالتها الاستاذة سارة نقد الله "خرجنا ولن نرجع قبل أن نسقط النظام" ينبغي أن يكون شعار الجميع فعلا وليس قولا.
وقد صدق الصاغ محمود ابوبكر حين قال في هذا الخصوص في قصيدته الشهيرة صح يا كنار
فإذا ادّخـرتَ إلى الصباح بسالـةً
فاعلمْ بأن اليومَ أنسبُ من غـد
واسـبقْ رفاقَكَ للقيـود فـإنني
آمـنتُ أنْ لا حـرَّ غيرُ مُقيَّد

//ابراهيم سليمان//

الخميس، رجب 28، 1437

الصادق الرزيقي .. بؤس الطرح وخبث المقصد

الصادق الرزيقي .. بؤس الطرح وخبث المقصد

كل ما يصدر من رموز نظام الإنقاذ فهو مريب، وكل ما يخطط لها اجهزتها فمقصده الخراب، وحسبُ الصادق الرزيقي من البؤس ترؤسه تحرير صحيفة الإنتباهة، بوق الكراهية ومؤسسها العنصري صاحب الثور الأسود الطيب مصطفى، ويكفيه خزياً تآمره على محاولة قطع الثدي الذي رضع منه، والتغوط في كبره على الصدر الذي احتضنه صبيا. كيف له وهو ابن دارفور أن يتولى كبر هذا العار التاريخي الذي يستهدف محي اسمها الضارب في عمق الزمان لما يقارب الخمسة قرون؟
يرى الرزيقي أن نتيجة الاستفتاء الإداري الأخير كمنطلق دستوري لتجاوز اسم دارفور الذي لا يشكل أي حافز أو عامل من عوامل التقدم أو النهضة أو الوحدة، وليس له الا بعده الماضوي، وإذا جرد من ذلك فإن البعض أو قل الكثير من أبناء الولايات يعتبرونه اسماً مرتبطا بقبيلة نسبت إليها كل المنطقة كدار لها. هذه جزء من ترهاته التي افصح عنها في مقاله الأخير (ما بعد الاستفتاء 1-2)
ونقول له من الذي يعترف بدستوركم، ومن الذي اقر بنتيجة استفتائكم، فما أنتم إلا سُراق سلطة فاقدي الشرعية، وباسم من تتحدث عن حوافز النهضة والتقدم، وما هي الأقاليم التي نهضت وتوحدت بسبب اسمائها، وإن لم تكن اسم دارفور محفز للوحدة، فكيف بجبل مرة وعزوم وبحر العرب، ومن الذي تريد أن تقنعه بأنكم دعاة وحدة، ومعنيون بالنهضة والتقدم؟
دارفور قبل أن تكون مدلول لدار قبيلة، فهي الدالة عن الحضارة والتاريخ والإرث الإنساني، ولو لا بعد نظر سلاطين الفور، وحنكتهم التي مكنتهم من التسلسل والمحافظة على هذه البقعة الطاهرة لما يقارب الخمسة قرون، ما ادراك أن تتفرق مكوناتها بين الدول الخمس التي تجاورها الآن، سلاطين اماجد استطاعوا الحفاظ عليها متماسكة عبر التاريخ، ليأتي اراذل قوم في هذا الزمن الأغبر ليستكثروا عليهم الاسم، أرأيت مدى بئس طرحكم ايها الرزيقي؟
مخططاكم مفضوحة، وأوراق لعبكم باتت مكشوفة، والكل يدرك، كم يزعجكم غوص حضارة دارفور في عمق التاريخ، لكن قبل التفكير في التخلص من اسمها، امتعاضا من دلالته، عليكم التفكير في تغيير اسم السودان اولاً، للشفاء من هوس النقاء العرقي، إن كنتم ترون أن الذين يسكنونه ليسوا جميعهم من السود، أليس هذا الاسم الذي اطلقه علينا الاستعمار؟ ومن الجهل أن تقول أن الاستعمار كرس اسم دارفور، وهي الأكثر تضررا منه.
أما قولك أن اسم دارفور ارتبط بالتمرد، في الوقت الذي هناك ولايات لم تتمرد، فهل تمردت كافة مكونات كردفان؟ ولماذا احتفظ جميع ولاياتها الثلاث بذات الاسم على غرار ولايات دارفور؟ وهل تجرؤون على محاولة المساس باسم كردفان لأن جزء منها تمردت عليكم؟ ام أن دارفور اصبحت الحيطة القصيرة لكم؟ واتحدى الرزيقي أن يذكر ولاية واحدة في دارفور لم يرفع ابناؤها السلاح في وجه نظام الإنقاذ. ومن الساذج الذي يقتنع بأن اهالي الفاشر، وجبل مره، ونيالا، والجنينة والضعين يرغبون في التملص من اسم دارفور، من اجل سواد عيون نظام يقتلهم بلا رحمة؟ وأليس أولياء نعمتك من أخرج دارفور خارج اسوار مثلث حمدي؟ بإمكانكم أو تزوروا المستندات، وان "تخجووا" الصناديق ما شئتم، أما إرادة الناس فليس بمقدوركم تزيفها بهذه السهولة كما تظنون. وإذا كنتم مقتنعين بوثيقة الدوحة، فلما لا تحترمونها على بؤسها، وإن كان الموقعون عليها يمثلون اهل دارفور في نظركم، فلماذا تلاحقون الثوار، وتستجدون توقيعاتهم ومباركة الاتفاقية؟
ورد في الموقع الرسمي للبروفسير محمد ابراهيم ابوسليم: "حكم سلاطين الفور لفترة امتدت ما يقارب الخمسة قرون من سنة 1445 وحتى 1916 م وكان أولهم السلطان سليمان سولونق، وآخرهم هو السلطان علي دينار." انتهي. علماً أن السلطانين دالي وكورو قد سبقا السلطان سليمان الأول (سولونق). والذي قد لا يعرفه الرزيقي ان تاريخ تأسيس هذه السلطنة العريقة، سابق لسقوط الأندلس عام 1492م بما يقارب الخمسة عقود، ومتقدم على تأسيس مملكة الفونج عام 1504م بستة عقود، زعماء دارفور ومثقفيها يعلمون هذا السبق التاريخي، ويقدسونه، أما الرزيقي قد يكون غافل عن دلالة هذه المفارقات. وبناءً على هذا المعطيات، فإن عمر سلطنة الفور، أطول من ضعف عمر الدولة السودانية الحالية (2118 – 2016م)
نحن لا نريد أن نجادل في المقترحات البديلة، والذي قصد منها دغدغة المشاعر، بقدر ما نركز على خطل الطرح وسوء المقصد، هل تظنون أن تفتيت الاقليم إلى ولايات او حتى محو اسمه من سجلاتكم سيمكنكم من هزيمة التمرد، أو خنوع أبنائه للحكم المركزي البغيض؟ وهل إن أزلتم اسم دارفور من خرائطكم، سيعفي رأس نظامكم من الملاحقة الجنائية، ويرفع  عنكم الحصار الدولي الذي يضيق عليكم يوماً بعد يوم؟
فلولا بطولات جنكيز خان المشهودة وحفيدة قبلاي، لما وجُدت جمهورية منغوليا التي تحمل اسم عشيرته بين الأمم، ولو لا بطولات الملك عبد العزيز آل سعود، لما وجدت المملكة العربية السعودية بحدودها الحالية الشاسعة، وآل سعود مجرد اسرة وليست عشيرة، وإن ظن البعض أن هذا الاسم، قد لا يستمر في حال انقضاء حكم آل سعود، نقول ولولا الغزو التركي ثم الإنجليزي المصري للسودان، من كان قادرٌ على منع تسلسل سلاطين الفور في الحكم إلى يومنا هذا؟ وبالتأكيد سيكونون ارحم بشعبهم من بأس حكام الخرطوم ورثاء الاستعمار.
وهل يعتقد الرزيقي أن دول مثل طاجيكستان أوزبكستان ليست بهما عرقيات اخرى، ومن قال أن إنجلترا أو England ليس بها غير الإنجليز؟ ما الفرق بين دارفور واسكوتلندا وايرلندا من حيث مدلول الاسماء؟
تركيز النظام على مدلول تسمية الإقليم (دافور)، ما هي ذريعة واهية لتدشين مرحلة جديدة من تمزيق النسيج الاجتماعي والتفتيت الوجداني لمكونات السلطنة، ضمن استراتيجية الفاشلة لقمع ثورة الهامش ضد الحكم المركزي الكارثي. وليت الأمر ينتهي هنا، بل النظام يسعي لتجريد أبناء الإقليم من ارثهم التليد وتاريخهم المشرف ومساهمتهم المقدرة في التطور الإنساني، وإنكار قدحهم المعلى في تكوين الدولة السودانية، أي حرقهم معنوياً، بعد ابادتهم بالجملة، هل ادركم خطورة ما يطرحه هذا "النقيب" غير الصادق، والذي يتعمد تغليف نوايا نظامه الشرير.
لقد تآمر الرزيقي من قبل مع ولي نعمته العرقي الطيب مصطفى على فصل الجنوب، فلا عجب أن يتآمر الآن على بيتهم الكبير دارفور، فقد وضعه موقع موسوعة ويكيبيديا في أعالي قائمة أعلام مدينة نيالا، يذكرنا موقفه الشاذ هذا، وكلامه الفج بالشاعر الجاهلي الحُطيئة، والذي تربّى في حالة سخط من زمنه وقدره، فتجرّد من عواطفه ومن انتمائه، واصبح ارزقي يتكسب بشعره، وبذلك عمد إلى المدح الذي أكثر منه، وأفرط في إطراء من لا يستحقّ، مقابل العطايا التي كانت تُغدق عليه، ومما شهد عليه التاريخ نادراً، هجائه لوالديه في عدّة مناسبات، وهجا نفسه في أبياتٍ شعريّة مختلفة، مرد ذلك أنه كان مريضا اجتماعياً ونفسياً ويعاني من الانتماء.
عندما يقول الرزيقي ان اسم دارفور لم يعد حافزاً أو عاملاً من عوامل التقدم او النهضة أو الوحدة، ويحّرض على التخلص منه، فهذا هجاءً صريحاً منه، يماثل ما جاء في قول الحُطيئة في هجاء امه ــ الضراء:
تنحي فاقعدي مني بعيداً            أراح الله منك العالمينا
حياتكِ ما علمت حياةُ سوء          وموتُكِ قد يـسرُّ الصالحينا
وقوله في هجاء ابيه:
فنعم الشيخ أنت لدى المخازي وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم لا حياك ربي           وأبواب السفاهة والضلال
بمقتضى مرحلية التاريخ، إن فتتم كيان دارفور اليوم، او محوتم اسمها من دفاتركم، سنعيد سيرتها الأولى غداً، وحينها، أي منقلب ستنقلبون؟
//ابراهيم سليمان//

البشير في البي بي سي .. الكاذب لا يُصدَّق وإن صدق

البشير في البي بي سي .. الكاذب لا يُصدَّق وإن صدق

ظهر رأس نظام الإنقاذ عبر حوار البي بي سي الأخير معه، بصورة يرثى لها، وحالة تثير الشفقة، صوت مبحوح، ونبرة مرتجفة، زائغ البصر، حانق على المجتمع الدولي، بدا مثقلاً بالخطايا، محملاً بالأوزار، وقدم إفادات لا تقف على ساقين، ودفوعات لن تقنع خادم الفكي.
يريد أن يقنع من بأن قوات اليوناميد قد بُعثت بها لدارفور بسبب مواجهات الثوار مع قواته النظامية؟ هذه القوات حلت في دارفور لرصد تحركات وانتهاكات ميلشياته التي عاثت ـــ ولا تزال في أرض الحفظة والقران فساداً، من تقتيل وتشريد وممارسة عنف جنسي ممنهج، أتت اليوناميد من اجل حماية النازحين في معسكراتهم التي لا تزال تتمدد وتنتشر مع شروق شمس كل يوم جديد، حلت القوات الدولية لمراقبة المليشيات الحكومية التي ظلت تتبدل في مسمياتها وتتلون في استراتيجياتها، من تنكيل وإبادة وتهجير قسري ثم إحلال وتغيير للتركيبة الديمغرافية، فما الذي تغيير من هكذا اجرام لكي ترحل؟ مناقشة المجتمع الدولي إمكانية خروج اليونايتد، مبعثها التمهيد لتخليه عن مسئولياته في دارفور، وتراجع المنطقة في سلم اولوياته، ومن التوقع أن تتغير هذه النظرة بنهاية ولاية الرئيس الأمريكي السلبي والمتردد اوباما، والفوز المتوقع للجمهورين. آخذين في الاعتبار، صدور القرار الدولي 2265 من مجلس الأمن بالأجماع تحت الفصل السابع في العاشر من شهر فبراير الماضي، وبموجبه تعجز المليشيات الحكومية عن التحرك من مواقعها حتى في دارفور دون الحصول على إذن مسبق، ليس من قيادتها المركزية بل من لجنة الخبراء، واعتقد أن هذا القرار يشمل ضمنياً القاذفات الحربية ايضا. وتجدر الإشارة إلى أن هذا القرار أيد كل المساعي والأعمال التي تقوم بها اليوناميد والآلية الأفريقية الرفيعة ومبعوث الأمم المتحدة.
محاولة رأس النظام، الربط بين الهدوء الحذر، والتراجع الهش للمواجهات العسكرية في الإقليم، باتفاق الدوحة، لا تقف على ساق، فالمعروف أن د. السيسي كون قواته على قلتها بعد الاتفاقية وليست قبلها، وأن قوات ابوقردا ودبجو كليهما تعتبران خصما من قوات حركة العدل والمساواة والتي تبدو انها تأثرت باستشهاد مؤسسها د. خليل عليه الرحمة، أكثر من انشقاق هذين الفصيلين المحدودين القدرات، او ارتدادات الاتفاق المشار إليه.
تحدث رأس النظام عن خطط لجميع السلاح في دارفور، فمن من يريد أن يجمع؟ هل لديه استعداد لحل مليشيات الدعم السريع، وتجريد قوات حرس الحدود  ومليشية موسى هلال من عتادها؟ وهي التي تروع المدنيين وتسلب ممتلكاتهم ليس في الأحراش والبوادي، وإنما داخل المدن الكبرى، وهي من تقتحم المحاكم، وتهاجم السجون، وتجتاح الدوائر الحكومية على مرأى ومسمع السلطات الولائية في وضح النهار، ناهيك عن المدنيين العزل في مزارعهم ومعسكراتهم.
مهما كابر رأس النظام، لن تخرج قوات الدعم  السريع في توصيفها عن كونها مليشيا، ببساطة، لأنها قوات عشائرية صرفة، وليس بإمكان أي مواطن سوداني الالتحاق بها، يضاف إلى ذلك، لم يعد سراً أن من بين افرادها مرتزقة من دول الجوار تم تجنيسها لارتكاب الانتهاكات ضد المدنيين، والتخلص منها في الوقت المناسب.
أما عن ملهاة الاستفتاء الإداري المزمع اجراءه هذا الشهر، نرى أن النظام ليس في حاجة لشرعية للإبقاء على الوضع الحالي، ذلك أنه لم يعد يأبه لأحد، داخلياً او دولياً، لذا نتوقع الكشف عن مخطط شيطاني جديد في المنطقة قد لا يبقي ولا يذر من نسيج المجتمع الدارفوري المهترئ اصلاً بسبب الممارسات الإجرامية السابقة، سيما، وإن غادرت قوات بعثة اليوناميد، أي أن البشير يخطط للمزيد من التفتيت الإداري، واستهداف معسكرات النازحين، وارتكاب إبادة ثانية مع سبق الإصرار والترصد، لذا نناشد أهلنا في المعسكرات، خاصة معسكر كلمة الصامدة، من الحيطة والاستعداد لترصد نظام الإبادة الجماعية بهم مستقبلا.
نتائج هذه الملهاة محسومة سلفا، فقد استبقت الحكومة وعلى لسان نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن ومسؤولين آخرين إجراء الاستفتاء بإعلان نتائجه، حيث يقول إن العودة لتطبيق نظام الأقاليم بدلاً عن الولايات مستحيلة، مشيراً إلى أن ذلك قد يقود دارفور إلى المطالبة بالحكم الذاتي، الذي يقود إلى الانفصال، مضيفاً (علينا الاستفادة من تجربة الجنوب وعلينا ألا نعيد الانكفاءة.. إن فعلنا ذلك سنضعف الوحدة الوطنية وقد تتحول العودة للأقاليم إلى مناداة أو مطالبة بالحكم الذاتي)، فيما قال رئيس مجلس الولايات السابق الفريق أدم حامد موسى إن الاستفتاء هو التزام سياسي لابد من الوفاء به، مشيراً إلى أن الوضع الأمثل هو بقاء الولايات الحالية لأنها تتيح المزيد من السلطات، وعد أن العودة إلى الإقليم الواحد ردة عن أهداف الحكم اللامركزي. حسبما ورد في تقرير موقع عاين الإخباري
وهنا بصرف النظر عن الاستفتاء كإجراء اجرامي من حيث هو، فليسجل التاريخ، أن د. السيسي مع الإقليم الواحد، وأن السيدين ابوقردا ودبجو مع التفتيت، وبلا شك أن مرد هذا التباين هو المماحكة والمشاكسة، لكن دعنا نرصد هذه المواقف الغير مسئولة للأخرين مهما كانت دوافعها.
ولا يفوتنا التذكير بالخطوة التي اقدم عليها سلفا كير في اكتوبر عام2015م عندما اتسعت عليه رقعة التمرد، فقد أصدر مرسوماً دستورياً فتت بموجبه دولته الناشئة إلى 28 ولاية بدلا من عشر، بغرض الوقيعة بين الإثنيات الداعمة للتمرد، هي ذات العقلية وذات النهج، سلفا كير لجأ إلى البرلمان الذي اجاز له هذا القرار، وإما البشير فقد لجأ إلى المواطن المغلوب على امره. بالطبع تقارب القوى بين سلفا ورياك مشار، افشل هذا المخطط، وفضح نوايا سلفا.
وفي هذا الخصوص، لقد أضحكني رأس النظام، حين قال فيما معناه، أنه كان ضمن برنامجه زيارة بعض معسكرات النازحين، وذكر في نيالا، (بالطبع في مخيلته معسكر كلمة) وزاغ عن توضيح من الذي غير البرنامج ولماذا؟ ثم قال إن الكثيرين من الذين استقبلونا هم من النازحين، ونقول له، أن يستقبلك نازحون، شيء، وأن تدخل معسكراتهم المقفولة أمنياً بإحكام شيء آخر، خاصة وقد اتضح أن الرسالة المزجاة من هذا الزيارة، والحرص على الحشد المبالغ، هي محاولة يائسة لإقناع المجتمع الدولي، بتبرئة ساحته من تهم الإبادة الجماعية، وارتكاب كافة الموبقات الإنسانية، أي يريد أن يقول لهم، أنظروا، أنهم سامحوني، وأنهم يحبونني!  وقد ذكر هذه الرسالة بعضم لسانه، حين قال: هؤلاء الذين يقولون أنني "علمت" فيهم الإبادة الجماعية؟ ولا أدري لماذا هرب من كلمة "ارتكبت" واستعاد عنها بكلمة "عملت"؟
كيف يحبونه وقد اقرّ شخيصاً، و"بعضم" لسانه أنهم قتلوهم بغير حق، ولأتفه الاسباب، وأن دمائهم في رقابهم؟ رغم أنه في موضع آخر قلل من عدد الذين قتلوهم في دارفور، وذكر أنهم عشرة آلاف فقط، وهو يعلم " مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"، فما باله بالعدد الذي اعترف به على نفسه؟ كيف يحبونه، وهو في قرارة نفسه لا يرى بأسا في اغتصاب نسائهم، حين قال أن ذلك يعتبر شرفا لهن، وشهد عليه شيخه الراحل الذي ارسله للقصر رئيسا؟
وأردف قائلا: ان الجماهير الغفيرة التي استقبلته خلال زيارته مؤخرا لدارفور هي خير دليل على انه لم يظلم سكان الإقليم وأنهم يحبونه. وذكر رأس النظام ان مذكرة الاتهام خلقت له شعبية كبيرة وسط السودانيين وأنها كانت سببا في فوزه في الانتخابات التي جرت العام الماضي. أولاً ليس هنالك دكتاتور خسر انتخابات رئاسية، وبهذا الادعاء، يؤكد ان فوزه "المضروب" ليس بسبب كفاءته أو استحقاق لإنجازاته، إنما بسبب شفقة جماهيرية، فقد شهد شاهد على نفسه بالفشل.
ذكَّر رأس النظام مراسل البي بي سي الذي اجرى معه الحوار، انه كان معهم خلال زيارته في دارفور، وبهذه المِنة ليس مستبعداً أن السيد محمد محمد عثمان كان ضمن الطاقم الرئاسي في تلك الزيارة، وإن الحوار رتُب له مسبقا، بمعنى، يا بُني اركب معنا، واشهد لنا بالحشود التي يحبوننا، ونسمح لكم بإجراء حوار مع الرئيس. وهذا التصرف يقدح في حياد البي بي سي، وينتقص من مهنئته. فقد امسك مندوب القناة عن الاستفسار عن سبب تغيير برنامج زيارة معسكرات النازحين، وغض الطرف عن ورطة جوهانسبرج، وكدنا نراه يضغط على اصابعه لطرح اسئلته التي خلت من أي سؤال استدراكي، مما يدل أن الحوار مكشوف، وأن مخرجاته متفق عليها مسبقا، وبهذا لم يختلف تلفزيون البي بي سي عن قناة الشروق، ودقي يا مزيكا.
فوَّت رئيس مكتب حركة التحرير جناح مناوي في لندن، الأستاذ نور الدائم، فرصة ذهبية لتكذيب رأس النظام على الهواء، وعبر قناة دولية محضورة، أن لا وجود لقواتهم في ليبيا، وكان بإمكانه اهتبال سانحة سؤال مقدم البرنامج لبث دعاية ثورية من خلال توضيح المناطق التي تسيطر عليها حركته، وآخر المواجهات مع مليشيات النظام، سيما أن مثل هذا المعلومات حتى إن كانت دقيقة لم تعد من الأسرار الحربية. ومن رأينا، أن الإمساك عن تكذيب رأس النظام، يستدعي إصدار بيان يوضح موقف الحركة من هذه الاتهام الخطير، خاصة لأنه خطير ثورياً وينطوي على تأليب دولي واقليمي، وصادر من أعلى سلطة إنقاذيه، وليس مبرراً تجاهله. أما إتهامه قوات جيم بانها متواجدة في دولة جنوب السودان، فإن صحته من عدمه، فليس ذات قيمة ثورياً وليست جديداً أي التهمة.
ادهشتني جرأة رأس النظام التي اسعفته في ذكر جنوب افريقيا دون خجل ضمن الدول التي يدعي أنه تحدى المجتمع الدولي بزيارتها، إذ أن فصول كوميديا هروبه المُذل من جوهانسبرج لم تتوقف عن العرض حتى قبل اسابيع، رغم مرور عشر اشهر على الحادث، فقد أدانت محكمة الاستئناف العليا في جنوب إفريقيا في شهر مارس الماضي فشل الحكومة في إلقاء القبض على الرئيس السوداني عمر البشير واعتبرته "سلوكا مشينا". وبحسب فرانس برس، قالت ثاني أعلى محكمة في جنوب إفريقيا، الثلاثاء (15 مارس 2016م) إن الدولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، كان ينبغي عليها الامتثال لحكم المحكمة وإلقاء القبض على البشير عندما كان يحضر قمة الاتحاد الإفريقي في جنوب أفريقيا العام الماضي.
يقول رأس النظام، أن مليشياته لم تحرق قُطية واحدة خلال مواجهاتها الأخيرة بجبل مرة، يبدو أنه غير مواكب لتطورات تكنلوجية الاتصالات، والمرافئ التي وصلت إليها خرائط الـ GBS، وميدانياً فقد فاز الصحفي الهولندي كلاس بجائزة افضل صحفي في بلاده عن تقارير وصور مأخوذة مباشرة من جبل مرة شهر فبراير الماضي. حسبما ورد بموقع راديو دبنقا.
وعن وعده المتجدد، بعدم  الترشح لدورة رئاسية جديدة عام 2020م، نقول، من الدكتاتور الأفريقي أو العربي الذي لم يصرح بذلك، ومن الذي التزم به؟ وليعلم   رأس النظام، أن الصدق كالشرف، إن فُرط فيه لا مجال للترقيع،  وأن الكاذب لا يُصدّق حتى ولو قال صدقاً.