الأربعاء، جمادى الأولى 18، 1438

راديو دبنقا .. الأخلاق المهنية، قبل المقبولية

راديو دبنقا .. الأخلاق المهنية قبل المقبولية
لأن تسّلم زمام مؤسسة اعلامية لأناس غير مختصين، كأن تعهد بالشفرة النووية لقائد متهور، وعلى جميع من يقع تحت مرمى رسالتها الاعلامية أن يضع الايدي على القلوب تحسبا لحدوث خطأ غير مقصود في اية لحظة قد يكون مدمرا، في الوقت الراهن ليس عسيرا ملاحظة أن الفوضى هي عنوان الحالة الاعلامية، ومعظم العاملين في القنوات والمؤسسات الاعلامية في الساحة الان من المبتدئين الذين يفتقدون المهنية والكفاءة
قبل أيام نشر راديو دبنقا على حسابه بالفيس بوك، صورة لرجل في اسمال متسخة مستلقي على ظهره واضعا رجل على رجل، وبجانبه إناء ممتلئ بمشروب اغبش، على الأرجح انه خمرة بلدية "مريسة" يطفو فوقها كاس من القرع، الصورة تظهر الرجل حاسراً جلبابه إلى صدره، ويبدو في حالة استرخاء تام واستكانة للآخر. معطيات الصورة تحدد هوية الرجل بوضوح انه من الهامش
ما يمكن قراءته من الصورة المعنية، وبما ان وسيلة اعلامية واعدة كراديو دبنقا، تنشر صورة بتلك الكيفية، دون تعلق منه، قد يفهم منه ان المريسة لا باس بها، وهي ترويج في اصرخ تجلياته للخمرة، وتوحي أن المريسة هو المشروب الامثل لمن يبحثون عن الاسترخاء والاستكانة، ثم ان صورة الرجل في اسمال متسخة وحوله جردل ممتلئ بالمريسة فيها تشهير بمجتمع الهامش إذا انها تعكس الجانب السالب منه، في حين ان المرتجى من راديو دبنقا اسمى واجل من ذلك.
من منطلق المسئولية الأخلاقية، على وسائل الاعلام الجادة والمسئولة أن تتجنب نشر كافة ما تندرج تحت قائمة الرذيلة حسب المعايير المجتمعية الخاصة، ذلك أن هذا المسلك يعبر عن مشكلة أخلاقية بالدرجة الاولي، وليس هنالك ثمة جدال في حُرمة الخمر مطلقا، ما عدا للمضطر المستثنى من كافة الشرائع. وان نشر مثل هذه المواد سيهدم المجتمع ويفسد الأخلاق ويشجع على الانحطاط الخلقي، وتفشي سلوكيات ضارة بين الناس. والاخطر من ذلك، ان تسليط الضوء الإعلامي على السلوكيات والأخلاق السيئة والنماذج الفاشلة سوف يجعل الناس ميالون الى تقليد ذلك مما ينشر الفساد والانحلال.
مخطئ من يظن ان ممارسات عصابة الانقاذ الاجرامية باسم الدين، يعتبر مصوغ لخلط معايير الفضيلة لدى المجتمع السوداني المسلم والمتدين بالفطرة، ومبرر للاتفاف حول القيم الاسلامية الحنيفة، وإن ظن البعض دعاة السوادان الجديد، ان البديل الامثل للأصولية الاخوانية، هي اللبرالية الصارخة، فهم بلا شك مخطئون، وليعلم الجميع أن غالبية اهل السودان لا هذا ولا ذلك، هم وسطيون، لا يحرمون المباح، ولا يبيحون المحرم.
وصلت الدراسات المجتمعية، الى ان الأجهزة الإعلامية يجب ان تلتزم بالأسس الذاتية للرقابة، وان تعتمد على المنطلقات الأخلاقية، ولا يمكن أن يتم ذلك دون رسم الخطوط الحمراء والواضحة لقيم ومُثل المجتمعات المستهدفة برسالتها الإعلامية، ومن الخطورة بمكان على أية وسيلة اعلامية جادة، مجاراة وسائل التواصل الاجتماعي لإرضاء جمهورها، ومن المخيب للآمال، أن يعتبر راديو دبنقا أن كثافة التفاعل مع الصورة المعنية والتي تم تداولها مراراً عبر حسابات الافراد "والقروبات"، ان يعتبر ذلك معيار لصلاحيتها للنشر عبر حسابه، ذلك ان المؤسسات الإعلامية الجادة كجهات اعتبارية، تحكمها ضوابط مهنية واخلاقية، خلافاً للأفراد والمجموعات الذين ينقادون للمزاج والميول الشخصية، وأن القاعدة الذهبية في هذا الشأن هو ان المهنية والاخلاق، قبل المقبولية وقبل كل شيء، وعلى مستوى القائم بالاتصال، فمن كان ابنا شرعيا لمدرسة اعلامية مرموقة، لا يقبل وسائل التواصل الاجتماعي ملهماً لمادته الاعلامية.
أن الاعلامي غير الملتزم بأخلاقيات وقيم الضمير المهني والإنساني يتم استخدامه لتدمير المجتمعات بعلمه أو بدونه، حيث أن خطورة وسائل الإعلام تكمن في تشكيل الوعي المجتمعي، ونشر نمط سلوكي وثقافي واجتماعي ينتهجه الفرد أو المجتمع، لذلك تعتبر التزام القائم بالاتصال بالمعايير المهنية والاخلاقية بعيداً عن الأهواء الشخصية امر غاية في الأهمية.
نظرياَ، فكرة أن وسائل الاعلام دائما ما تكون ايجابية فيما تقدمها من مواد ليست صحيحة في المطلق، فقد أكد علماء الاعلام والاتصال، أن عدد كبير من الجهات والمنظمات الايدلوجية تسعى للهيمنة على وسائل الاعلام ليبث من خلالها أفكار واتجاهات بغرض التأثير على الجمهور لصالح ما تؤمن بها ، وقد تكون هذه الأفكار مشوهة بغرض ايجاد حالة من الانقسام بين المواطنين تجاه قضايا معينة. مثل هذا المسلك يجعلنا نرتاب من نوايا رسالة رادو دبنقا، إذ أن هذه الصورة تشئ بمقبولية تناول المريسة كخمرة بلدية، وحتى لو افترضنا أن الشخص المعني، ليس مسلماً، ففي الصورة افساد للذوق العام للغالبية من المجتمع السوداني الفاضل، ويستوجب حذفه والاعتذار عنه. سيما وان هذه المرة الثانية التي تنشر فيها راديو دبنقا خلال العامين الماضيين صورة تحتوى تناول شرب المريسة.
وجهة نظرنا المستقبلية، فيما تخص الضوابط التشريعية للمؤسسات الصحفية والاعلامية، نعتقد أن الرهان على الرقابة الذاتية لهذه الجهات هي الأجدى، بحيث تركز الجهات المختصة على كفاءة رؤساء التحرير ومديري المراكز والمؤسسات الإعلامية، وان تسمح فقط للمهنين الملمين بأخلاقيات الرسالة الإعلامية، والذين يتمتعون بصفات رجالات الدولة بتولي زمام الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الصحفية، هؤلاء فقط يمكن ائتمانهم على الامن القومي للأمة، والاطمئنان على المجتمعات من خطر اسلحتهم الفتاكة، وبإمكان هؤلاء أن يغنوا الأجهزة العدلية والأمنية من رهق الملاحقات و"الجرجرة" العدلية، وما يراها هؤلاء المهنيون الراشدون صالحة للنشر او البث، لا ينبغي ان يكون محل مزايدة من احد. هكذا تفعل الامم المتحضرة.
//ابراهيم سليمان//

الخميس، ربيع الآخر 07، 1438

الجنقو في الميزان .. رؤية نقدية (2/2)

الجنقو في الميزان .. رؤية نقدية (2/2) 


في المقال السابق، حددنا منهجنا لتناول رواية الجنقو مسامير الأرض، للروائي الكبير عبد العزيز بركة ساكن، واوضحنا ان رؤيتنا انطباعي شخصي، تاركين التقييم الفني للأكاديميين، وفككنا رمزية العنوان، وتطرقنا لمأساة البطل ود امونة، وقارنا بينها ورواية الخبز الحافي للروائي المغربي محمد شكري، وتناولنا اللغة والسياق الزمني والحيز المكاني، ووقفنا عن انفصام شخصية الراوي ودلائل معاناته من "شزوفرينيا" ثم تعرّضنا للقبلية في الراوية وبيّنا انها تصور الجنقو على انهم هامشيون وليسوا مهمشون حسب افادات كبيرهم مختار على، ثم شرحنا المدلولات المحتملة لأسماء للشخوص، وفي هذا الجزء الأخير من المقال نتناول:
الطرح الاشتراكي في "الجنقو"
-       لم يقف الطرح الاشتراكي للراوي عند المطالبة بتقسم الثروة، فقد رفض صديقه دفع مقابل مادي لبائعة الهوى نظير خدماتها الجنسية، زاعماً انه ان فعل ذلك سكون داعرا، اضف إلى ذلك تفاديه دفع الأجور لزملائه العمال الذين أعانوه على حصاد محصوله، وتخصيص خمسة جوالات ذرة للمريسة عند الحصاد، وبالطبع هذا العدد من الجولات لا يخصه وحدة وإنما بدعوى أنهم شركاء العمل هم شركاء الإنتاج، كذلك يعتبر الرهن التعاوني الذي اقترحه وتقدم به للبنك للحصول على قرض اشتراكي وليس فردي صورة من صور الطرح الاشتراكي في اوضح تجلياته.
-        ".. قال لي صديقي محتجاً ، إنت دفعت قروش؟! إنت زول داعر" انتهي. رفض صديق الراوي دفع المبلغ المالي لبائعة الهوى نظير الخدمات الجنسية التي قدمتها له، فقد قالت له: " أنا عايزة حقي يا زول، دا شُغُل!! أنا ما بتنفع معاي فصاحة الشوعيين الكفار دي". انتهي.
الاشتراكية هو الوجه الاقتصادي للشيوعية أو الماركسية، وهذا الاتهام ليس جزافا، فقد اشار الراوي أنه قرأ (نقد الفكي اليومي) في إشارة إلى مرجعتيه الفكرية، وهذا الكتاب يعتبر من اهم الكتب النقدية الماركسية في الوطن العربي للمناضل  واستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية مهدي عامل، والذي  انتسب الى الحزب الشيوعي اللبناني عام 1960, و انتخب عضوا في اللجنة المركزية للحزب في المؤتمر الخامس عام 1987م استشهد في شارع الجزائر في بيروت, في 18 ايار 1987م واسمه الحقيقي حسن عبد الله حمدان عروف باسم مهدي عامل. والكتاب المشار إليه اُكمل وطُبع بعد اغتيال الكاتب، يقول الراوي أنه تعلم منه أن معيار العيب في علاقة المرأة بالرجل يرجع لتربيته هو.
وهنا يبدو الراوي متسقا مع بيئته الفكرية ومحاولاً الانتصار لقناعاته الذاتية
-       اشارة الراوي إلى ناظم حكمت وهو شاعر تركي وشيوعي شهير عارض النظام الإقطاعي في التركيا، وكان من المساندين لمنظومة كمال اتاتورك في بداياته، فرّ فيما بعد إلى الإتحاد السوفييتي. ومعروف أن جمال عبد الناصر أول من شرع في محاربة النظام الإقطاعي اقليميا، وهو بالطبع رائد الاشتراكية في العالم العربي.
-       اشار الراوي إلى قصيدة (المومس العمياء) وهي إحدى أطول قصائد الشاعر العراقي (الحداثي الكبير)  بدر شاكر السياب تصور مشاهد من التعاسة البشرية والسفور الأخلاقي للمجتمع الحديث والظلم في تقاسم الثروات وفضح البناء الاجتماعي غير المنصف، لاسيما في توزيع الثروة والسلطة، وهنا يكشف الراوي نزعته الثورية ويكشف عن مشربه الفكري ايضا.
الرمزية في "الجنقو":
-        رائحة الصمغ: "وهنا تكمن عظمة هذا الرجل النظيف النحيف الذكي الذي تفوح منه دائماً رائحة الصمغ العربي" انتهى. يتحدث الراوي هنا عن الفكي علي ود الزغراد أو الزغرات كما وردت في الرواية. وحسب معرفتنا ان الصمغ لا رائحة له، ومن المرجح أن يكون المقصود أن الرجل مدعي نسب (عروبة زائفة)، سيما وانه ذكر أن جد الفكي على جاء من دار قِمر بأقصى غرب السودان.
-       ذكر الراوي العليم: ".. أما الفكي علي الزغراد فيعتبر الزغرات الذي ذُكر في كتاب ود ضيف الله زغرات مشوه، لأن جده سليمان الطوالي ما كان يعمل بَابَكُولاً للمَرَاسَةِ، ولكنه كان أحد تلامذة الشيخ محمد الهميم .. " انتهي.
هنا اننا نرى أن الشيخ محمد الهميم وحسب تقيم ود ضيف الله نفسه، ليس بأحسن حالاً من الفكي الزغرات الذي يراه الفكي علي أنه زغرات مشوه من حيث التجاوز الفقهي، فقد ذكر ود ضيف الله في ترجمة القاضي دشين المشهور بلقب قاضي العدالة : "سمي قاضي العدالة لأنه فسخ نكاح الشيخ محمد الهميم ، وذلك أنه في حال الجذب الإلهي زاد في نكاحه من النساء على المقدار الشرعي وهو الأربعة ، وجمع بين الأختين { حيث } تزوج بنات أبو ندودة الاثنتين في رفاعة ، وجمع بين بنات الشيخ بان النقا الضرير : كلثوم وخادم الله ." انتهى.
-       اللسان الأزق: "وَبِلِسَانِهَا الذي أَخْرَجَتَهُ إلينَا، فِي حَركَةٍ لإغاظتِنَا، بقعٌ صَغِيرةٌ سَودَاءَ"  انتهي. الإشارة هنا لابنة ابراهيت الفلاشاوي، الذي ادعى الإسلام وانكر اليهودية، وهذا اسلوب ذكي من الراوي لتأكيد يهودية ابيها، فمن الشائع شعبياً وعقدياً أن كل من لديه/لديها لسان ازرق الطرف، ينسب لسيدنا موسى، وقصته في طفولته مع فرعون معروفة، حيث قيل أنه ارتاب منه، وأراد ان يختبر جهالته كطفل، وإن كان يفرّق بين الجمرة والتمرة، فقدم له جمرة، وبإلهام رباني، حاول سيدنا موسى تذوق الجمرة، فحرق مقدمة لسانه، وظلت اثار الحرق باقياً وشاهداً على ذريه حسب القول المأثور.
-       الطيور تطير شرقا: المزاج حبشي. عندما يقول الراوي وهو صافي المزاج، في صباحية يوم دخلته: " بعض أسراب الطيور تذهب في جماعات نحو الشرق" انتهي. والشرق هنا اثيوبيا.
-       "في زول في القضارف ما شاف السجن؟" انتهي. شهرة الشجن، دلالة على تعاظم اجرام اهل المنقطة
-       حادث ثورة الفضلات البشرية: وقد يفهم من هذه الفكرة ضد موظفي الينك الزراعي، والتي اقترحها صديق الراوي، وهو أفندي ينحدر من اسرة ميسورة خارج الحِلة، قد يفهم منها ان الأفندية هم من لوّثوا مجتمع الجنقو فكرياً، وافسدوا الذوق العام
شُبة سرقات ادبية:
-         ورد في الجنقو مسامير الأرض ".. ذكرى دَحَشَةٌ ومِعزة أتيتهما وأصحابي المراهقين، ذكرى كلبةٍ ألبسناها طَبقاً من السَعف حول عنقها و اغتصبناها" انتهي.
-         ورد في الخبز الحافي ".. رغبتي الجنسية تتهيج كل يوم. الدجاجة، العنزة، الكلبة، العجلة ... تلك كانت اناثي. الكلبة اخرق لها الغربال المثقوب في رأسها" انتهي.
الفرق فقط (طبق السعف، والغربال المثقوب) كليهما حرص على توصيف كيفية اتيان الكلبة، بالإضافة إلى قبح السرقة، فقد تكرر ذكر هذه الحادثة مرتين في رواية الجنقو ومن وجهة نظرنا ان هذا التكرار غير مبرر.
-          ورد في الجنقو مسامير الارض "مررنا بصوت سيدة تستجدي عَلناً وبصوت عالٍ بائس أن يأتي من ينقذها، وأنها سوف تموت الآن. كانت تسترحمه وتستجديه أن يتركها، أن يُخْرِجه، أن يخليها تتنفس، تتنفس لا أكثر، أن يرفع جسده الثقيل منها، أن يقذف بسرعة، إنها تموت، وبشهامة معروفة عني، إنطلقت نحو القُطِية قاصداً فك الاشتباك، ولكن أديّ أمسكت بيدي بقوة قد لا تصدر من امرأة في عمرها، وخاطبتني قائلة:
-        ما تَصَدق النُسوان يا ولدي: من صَدَّقْ النُسوان؛ كَذّب الرُسُل .. ثم انتهرتَها بحزم، موبخة إياها ..  يا بِتْ أخجلي .. عَيب .. فصمت الصوت صمتاً تاماً مضيفاً للمكان رهبة الموت. انتهي.
-        والتالي ما اورده الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال ".. سمعت بكري يصيح: يا راجل اختشي على دمك. لازم تعمل ليك فضيحة وهلولة. ثم سمعت سعيدة امرأة بكري تقول: يا بت احفظي شرفك، ما هذه الفضائح؟ العروس البكر لا تعمل هذا العمل. كأنك لم تجربي الرجال من قبل. واخذ صراح بت محمود يشتد." انتهي.
هنا اختلفت العبارات، ولكن ظل المشهد هو هو، في موسم الهجرة إلى الشمال و الجنقو مسامير الأرض، وبالطبع موسم الهجرة هي السابقة و الجنقو لاحقة.
-        رغم المشاهد الجنسية العارية، استخدم الراوي في الجنقو كلمات شيء/شيئه/ شيئها في اشارة إلى الأعضاء التناسلية للجنسين، وهي ذات الكلمات المستخدمة في الخبز الحافي للدالة نفسها. وكليهما وصف الأجهزة التناسلية للمرأة بالبشاعة والقبح، وهو امر غير مقبول من منطلق "جندري"، رغم أنهما اسندا هذا التقييم الى التقدير الطفولي.
جماليات اللونية الوصفية:
تجلّت العبقرية اللونية الوصية لعبد العزيز بركة ساكن، في عدة مقاطع من النص السردي الإبداعي منها:
- "الجنقو يتشابهون في كل شيء، يقفزون في مشيهم كغربان هرمة ترقص حول فريستها" انتهي. إلا أن هذا الوصف فيه شيء من التجديف، فالغراب في الثقافة العربية رمز للقبح ونذر شؤم شأنه شأن البوم، هذا بالإضافة إلى سواد لونه، ولو أن الراوي استعاض عن الغراب بالنسر ذي اللون الرمادي الأقرب إلى لون بشرة الجنقو، الذي يرمز للشموخ والكبرياء، وهو لا يختلف في مشيته عن الغُراب، لتحقق جمال الوصف وجمال الرمزية.
- ".. لم اعتد لباس الملاءة، لونها أبيض، مما أظهرني كحاج تعب أرهقه التطواف" انتهي.  الوصف جميل فنياً بلا شك، ولكن شتان ما بين هيئة حاج يطوف متعبداً حول المشاعر المقدسة متوشحا بالأحرام، وما بين مظهر متسكع في بيوت بائعات الهوى.
- ".. وهاهم الجنقو الآن فرادي وجماعات يتفرسون في الآلات الشيطانية وهي تقوم بالعمل نيابة عنهم، وترميهم في جُبْ العطالة دون رحمة، وتضحك عليهم بتعتعة معدنية حامضة ممقوتة تهتز لها الأرض." انتهي.
- " .. ظللنا نسمع أخباره من وقت لآخر، تأتينا مَشُوكةً بالكِتِرْ والحَسَكَنِيتِ، ملوثةً بطين سبتمبر الّلزج، وعليها خَوفُ الناقل و حِرصُ السامع وهَوهَوةُ الريحِ الجنوبيةِ الرطبةِ" انتهي.
- ".. هرولنا على أرض صَخرية قاسية، ولكنها رحيمة و طيبة. تنكمش في عطف تحت أرجلنا لتقرب لنا المسافة إلى الحدود الأثيوبية التي هي مقصدنا و خَطْ الأمان الأول." انتهي.
- ".. الشمس الآن في برج السمسم بالذات، القمر الذي سوف يطلع عندما تغيب الشمس، بفعل المدّ والجزر، هذان الفعلان الشيطانان، سوف يفتقان فساتين السنابل، فيندلق الذهب منها إلى الأرض، يلتقطه نمل نشط لا يكل ولا يمل، فيحتفظ به في صوامع أمينة تحت الأرض لأيام الشدة، تحرسه بَرَكة الملكات الرؤومات، الجنقو متأكدون من أنهم سوف يكسبون الرهان، والجلابة أيضاً يعرفون أنهم سوف يخسرون، .. " انتهي. وصف فني ولا اروع.
- يصف الراوي الجنقو المتحزمين (بالقاشات) بقوله: "يحيطون خصورهم بأحزمة الجلد الصناعي، فتبدو هيئاتهم كمخلوقات غريبة لا تنتمي للمكان، لكنها تقلد كل شئ فيه بالأخص كُلّيقَةْ السمسم المحزومة جيداً" انتهى. هذا وصف بديع مستوحاة من البيئة العملية وهو يضاهي وصف محمد شكري لشعر خادمة (طباخة) رآها من ثقب مفتاح الباب بقوله: "شعرها ملفوف في المنديل الملطّخ بالحناء. ملفوف مثل رأس الملفوف." انتهي
التوصيف النفسي لشخوص الرواية
غاص بركة ساكن في الدهاليز النفسية لشخوص الجنقو، وهو دليل على عمق تفكير الراوي، ويمكننا ان نرصد نماذج من هذا:
-        حياتي زي الجمرة دِيَّ، أنا ما ارتحت لحظة . (ود امونة(
-        وقد أحسست أني في ورطة، لأنني في الحق لا أعرف الصحيح من الخطأ في السلوك الإنساني ) الراوي)
-        وأنا بصراحة ما قاعدة استمتع بالرُجَالْ (الم قشي)
الاسطورة عند الجنقو
-        يقول صديق الراوي: "الناس هنا مغرمين بالأساطير"
-        وقوله: "أنا لن أموت مقتولاً، كلمتني قارئة فنجان وكف حلبية قابلتها في بورتسودان، أنا حأموت غرقاً وفي عمر كبير، ربما بين السبعين والثمانين". انتهى. هذا قول برجوازي صغير وخريج جامعي!
-        وقوله: "حَكَتْ لنا حكايات كثيرة ممتعة، .. عن جنون يسكنون ويتزاوجون مع البشر، عن بشر يتحولون إلى حيوانات وغربان، عن أناس يموتون ثم يحيون في شكل بعاعيت." انتهى. هذه ضمن حكاوي الصافية، ولا غبار عليها.
-        يذكر الراوي أن الحلوّف (الخنزير البري) الذي اخذ عبدارامان من فوهة حفرته هو جزء من "ناس بسم الله الرحمن الرحيم" حسب توصيف الجنقو، وقد صعد به إلى الجبل والى الابد، ليلقى مصيره المحتوم الذي يشبه مصائر كل أزواج كلتومة بت بخيتة النوباوية. وهنا الراوي لم يسرد اسطورة سمعها، وإنما يرصد مشاهد يقول هو جزء منها رغم نفيه أنه لم ير الحلوّف اصلا، إلا انه لم ينف اختفاء عبدارامان بهذه الكيفية.!
-        وفيما يلى قول صديق الراوي عن الصافية عندنا همّ بمعاشرتها: ".. ثم أقسم وأقسم وقال: 
" الصافية انقلبتْ مَرَفَعِين
قلنا بصوت واحد
-        مرفعين؟
. مرفعين عديل كدا .."
 انتهى.
-        ­يقول الراوي: ".. أنا لست منشغلاً بالحروب، كنت منشغلاً بخزعبلات رجل إسمه إسحق المُسلاتي، عبارة عجيبة تفوه بها، أبت أن تغادر صحوي ولا منامي قال لي: إنت واقع في سِحْر جِنيَّة."
هذا دليل على فشل الراوي في التأثير الإيجابي علي الجنقو، بل وقع هو اسيراً لخزعبلاتهم.
معلومة غير مكتملة
يقول الراوي العليم: ".. قلت له ولكن القبائل العربية الهاجرت للسودان كانت من جُهينة؟
والأصبح بالإضافة إلى قبائل جهينة، وحسبما ما اورد العلاّمة القلقشندي هاجرت قبيلة فزارة العدنانية إلى السودان يعيشون في منطقة كردفان وتتألف من العشائر الاتية: دار حامد، بنى جرار، الزيادية، البزعة الشنابلة، المعاليا، والمجانين، اولا إيقوي، والبزعة، وإن اغفل القلقشندي استقرار بعض ما ذكره من هذه القبائل في دارفور ايضا.
-        يقول الراوي العليم: ".. وكان يدور في رأسي استشهاد الشابين أحدهما بيد يزيد بن معاوية والآخر بيد معاوية ابن أبي سفيان نفسه، في أزمنة غابرة بالجزيرة العربية والشام."
وبما أن قبيلة جهينة العربية اصولها من العراق، فإن الراوي يقول في نفسه أن جُهينة السودان، هم أبناء قتله آل البيت (الحسن والحسين)، وما يجدر توضيحه هنا هو أن تهمة ضلوع يزيد في مقتل الحسن بن على مسموماً على يد زوجته جعدة بنت الاشعث، طرح شيعي، لا يقره أهل السنة والجماعة ولا يحددّون بالضبط من قتل الحسن، ويعتبرون ذلك أمرًا مجهولاً غير معروفًا إلا أنهم قد يرجحون أن لأهل العراق يدًا في الأمر لبغضهم للحسن بعد أن تنازل لمعاوية.
الجنس في مجتمع الجنقو
-        يقول الراوي: " لا يميل الجنقوجوراي كثيراً للنساء، بل هم زاهدون في شأنهن، ولا يبطئون في إطلاق لقب هَوَانْ، على كل من فضّل مصاحبة النساء على معاقرة الخمر." انتهى. بينما يقول عن نفسه لم يعرف عنه زهده فيهن، فإما انه ليس منهم، او انه هوان حسب التوصيف الاجتماعي لمعاقري النساء، رغم ان هنالك شواهد تناقض هذا الزعم على لسان كبيرهم مختار علي.
-        اذا سلمنا بفرضية أن الجنقو غير ميالين للنساء، واستبعدنا الرادع الاجتماعي والوازع الديني اذ انهم يشربون الخمر، واذا اخذنا في الاعتبار ان االصافية الجنقجوراوية الوحيدة من حيث الحرفة (عاملة زراعية) انها لا تستطيع ممارسة الجنس بصورة طبيعية، فإننا نخلص إلى أن الراوي يقول لنا ان الجنقو اناس ليسوا بأسوياء على الاقل جنسيا. هذا بالإضافة إلى ألم قشي بطلة الرواية، التي تعتقد الراوي انها انجبت ابن جان رغم زواجها الشرعي منه.
-        يقول الراوي: "فيما بعد حدثنا ود أمونة بأن عاناتهم كثة وأنهم يهملونها" انتهي. الكلام هنا عن الجنقو، فان كانوا كذلك، وبما أن صديقه البرجوازي الصغير قد رفض خدمة تنظيف الملاين من ود امونة، فكيف يقبلها عوام الجنقو لتتاح له معرفة مثل هذه الامور الشخصية البحتة، اللهم إلا ان كانوا شواذ جنسيا؟
-        يقول الراوي: " أصبحت أداليا لا تطيق لام دينق، ولو أنهما كانا لا ينامان معاً إلا مرة في الأسبوع". انتهي. لو أن هذا الكلام جاء على لسان احدى صديقات داليا، او حتى ود مونة، يكون معقولا، اما ان يجئ على لسان الراوي، يعنى انه اصبح قولا و"شمشارا" في حين أنه يصف ود امونة انه وحده مُلم بأطراف القوالات!
-        هنالك اتهام كثيف لبطل الرواية ود امونة، بانه مخنّث وله ميول انثوية، ومع ذلك يصفه الراوي أنه اتاهم حليق الوجه، مما يدل أن لديه لحية، وكذلك ذكر انه كث الشارب، وكليمهما علامات رجولة، مما يرجح انه شاذ جنسياً رغم عدم اثبات هذه التهمة عليه.
-        يقول صاحب محمد شكري في الخبز الحافي: "لم اخلق لأتزوج قحبة" انتهي. بينما يقول صاحب الراوي في الجنقو: "العاهرة عندي افضل من الرجل العابد." انتهى. هنا يبدو معيار القيم والفضيلة عند الراوي جدليا.
-        يقول الراوي: ".. ولكن الأهم من ذلك بند في عقد المصاحبة غير المكتوب، هو أن يصاحب الجنقوجوراي الواحد امرأة واحدة فقط وأن تكتفي الفدادية بجنقوجوراي واحد، وهذا إلتزام صعب، وغالباً ما يفشل الجنقوجوراي في الوفاء به .." انتهى. هذا كلام عام يصوّر مجتمع الجنقو كمجتمع اباحي.
-        نظر الراوي لمجتمع الجنقو من القاع، وغض الطرف على الواجهة، إذ أنه لم يقدم نموذج واحدا لشخصية او اسرة جنقجوراوية مشّرفة، فنجده أحياناً يحاول تقديم نفسه كشخصية مثالية، إلا ان معيار الفضيلة عنده ظل مشوشاً ومهزوزا، حيث قال عندما قرر الزواج من محبوبته ألم قشّي بغرض الإنجاب: "وحتى لا يُطلق على ابنتي بنت حرام، في مجتمع متخلف كمجتمع الحِلة هذا" وقوله ايضا: "الشرف و الطهر في الروح وليس في الجسد" ومن المفارقة قوله في موضع آخر: "أنا عايز أفَهِمْ الناس ديل الفرق بين الرذيلة والفضيلة؟". أما الفكي علي الزغراد احد شخوص الرواية، فليس لديه اسرة، وهو مشّعوذ ودجّال ومدعي عروبة وغير منتج ويحلل الحرام (المريسة). اما الصافية اشهر الجنقجوراويات ورغم انها تبدو اخت اخوان إلا أن الراوي قال عنها: ".. ولكن ؛ أيضاً للصافية خصوصيتها، هنالك جوانب مظلمة في حياتها، خاصة فيما يتعلق بنشاطها الجسدي.." انتهى.
- يطلق الراوي قولاً مرسلا عن المرأة في مجتمع الجنقو: ".. انهن يقدمن أنموذج الأخت والصديقة والزوجة والحبيبة، وليست الداعرة السوقية المستهلكة أو الانتهازية، إنهن بنات بيوت ومشروعات صغيرة وحالمة لربات بيوت، يجدن فن الحب والعلاقات، أميتهن هي ثروتهن الكبرى، والتي لا تقيم بثمن، ذات الأمية هي مشعل وعيهن الاجتماعي الكبير."
هنا يتحدث الراوي عن قرويات الحِلة المجهولة، والتساؤل هو كيف تكون الأمية ثروة كبرى؟ وكيف تكون مشعل وعي اجتماعي، من منظور لإنسان يبدو مستنيراً، هذا فذلكة غير مفهومة.
-        يدعي الراوي البراءة ويتساءل: "صباع امير دا شنوا؟" انتهى. وهو الذي يقضي معظم وقته وسط نساء المتعة، وقرر اخيرا الزواج من فتاة ليل.
ملاحظات عامة
-        يبدوا لي ان فصل (فتاة من اسمرا) لازم الفائدة، مضمونه ان فتاة إرتيرية شابة وجذابة تهرب من الخدمة اللإلزامية وتأتي الي الحِلة لتلتحق ببيت (الام) كفتاة ليل، لتقول لود امونة "هنا برضو في رجال حلوين ونضاف بالشكل دا." انتهى. وتصف الجنقو بأنهم: "كلهم عفنين ووسخانين وريحتهم ترمي الصقُر من السما". انتهي. هذا المشهد من الرواية يمكن أن تؤديه ألم قشي، ويختصر حوالي 600 لكمة من الرواية.
-        في فصل بوشاي، الرأي الحكومي عن ثورة الجنقو فيه التقريرية والمباشرة، وكان بإمكان الراوي أن يقول انه سمع مسئول حكومي، او قائد عسكري عبر اذاعة يقول كذا وكذا بدلا من قوله: " بعد المعارك الطاحنة التي دارت بين الجنقو وكتيبة من الجيش ترتكز بحامية زهانة، انتبهت الحكومة المركزية لخطورة ما أسمته بالشِفْتة أو النَهب المُسَلّحْ، وجرى الحديثُ عن القوى الخارجية التي تريد أن تطيح بالحكومة الوطنية واجهاض (المشروع الحضاري للدولة).." انتهى.
-        يصف الراوي القوات النظامية القادمة من المواجهات مع المتمرين بأنهم: جبناء، يقاتلون بدون عقيدة، سكارى ومسطولين، يصلبون القتلى من متمردي الجنقو. الراوي ليس محايداً وبالتالي تقيمه ليست بذات قيمة.
-        توجد صلة مباشرة بين إحالة الراوي وصديقه إلى الصالح العام، ليمارسا التسكع والتلكع والسياحة الخشنة ويحّرضا الجنقو على الثورة والتمرد لينتهي بهما الأمر في معسكرات اللجوء.
نهاية الرواية
-        نهاية البطل ود امونة، نهاية تقليدية، بدأ حياته من الريف وانتهى به الأمر في الخرطوم، رغم كونه بدأ حياته المهنية "بالتعرصة" باللغة الشعبية، والقُوادة، وانتهى به الأمر وزيراً اتحاديا، فإن هذا الأمر في واقعنا الحالي غير مدهش.
-        والمفارقة أن ود امونة المائع و"رجل" العلاقات العامة ببيوت الدعارة وحلاق الملاين، يصبح وزيراً، بينما ينتهي المطاف بالراوي وصديقه المستنير المحالان للصالح العام في معسكرات اللجوء و"كنابي" النزوح.
-        حادث ثورة الفضلات البشرية التي جادت بمخططه مخيلة صديق الراوي: "وفجأة تحدث صديقي، قائلاً: نحاربهم بالخَرَا.. " انتهى. بالإضافة إلى احتراف بطل الرواية لمهنة تنظيف الملاين الرجالية والنسائية، هاتين النقطتين قللتا من جدية السرد. لان اسلوب ثورة الخراء مقزز ولا وجود سوابق له، "ثورة الخُراء، التي ما عاد أحدٌ في الواقع يذكرها، لقد كانت دخيلة على هذا المجتمع، وتَمّ اسقاطها تدريجيا من السجل اليومي للقُوالات" انتهى. كما أن حرفة تنظيف الملاين قد تكون موجودة في باريس وليس في الخرطوم دعك عن احترافها في حِلة نائية ومجهولة في شرق السودان.
-        انتهت الرواية بأسلوب القصة القصيرة، فقد اختتمت بصورة غير متوقعة.
-        خاتمة الرواية مخيبة للآمال وخرافية، كأنه يؤمن بالأساطير ويؤكد صحتها، إذ انه صُدم بان المولود الذي ظنه أنه ابنه، في الحقيقة أبن الجن وليس ابن الأنس، وأن محبوبته مسكونة، هذه النهاية تعني الحسرة والحصاد المُر من التمرد واللجوء، أو أنه يشك في إخلاص زوجته له، إذ انه ورد في الرواية أن أبناء الحرام يشبهون امهاتهم.
-        الجنقو مسامير الأرض رواية مشّوقة، وفريدة من نوعها في الساحة السودانية، وهي من النوع الذي يجعلك تلهث، قائلا "وبعدين"، بيد أننا كنا نأمل أن نجد في متونها نماذج لأفراد واسر جنقوراوية تطل على واجهة مجتمعاتها بصورة مشّرفة، وأن تقدم لنا الرواية صورة لشخصيات عصامية وملهمة تبعث الأمل لرقيّ هذه الشريحة العريضة، على غرار ما خلصت إليه رواية الخبز الحافي.
//ابراهيم سليمان//


الجنقو في الميزان .. رؤية نقدية (2/1)

الجنقو في الميزان .. رؤية نقدية (2/1) 


ولما لم يتفق النقاد العرب على اسس معيارية للنقد الروائي، سنتناول رواية الجنقو مسامير الأرض للروائي الشهير عبدالعزيز بركة ساكن من منطلق انطباعي شخصي بحت كقارئ يتذوق الأدب، وكاتب مهتم بقضايا الهامش التي تتمحور حولها سرديات الرواية، وفليكن ميزاننا ميزان "قرع" قد يزيد او ينقص بضع اوقيات من الحجم والأبعاد الحقيقية لهذا العمل السردي المثير للأعجاب والجدل على حدٍ سواء، وبما أن الشيء بالشيء يُعرف، سنقارن عند اللزوم بينها ورواية (الخبز الحافي) للروائي المغربي محمد شكري، واوجه المقارنة هي أن كليهما تندرج تحت السرد السيّري بشكل او بآخر، وأن كلا الكاتبين نظر لمجتمع الهامش في بلده من القاع وكتب نصوص عارية كسرت "تابوهات" اجتماعية تحاشاها الكتاب في البلدين.
-       ذكر محمد شكري صراحة أنه شخصياً يمثل بطل روايته، وإن سرديات (الخبز الحافي) هو سرد لسيرته الذاتية، وقد كلفه هذا الاعتراف كثيرا، إلا ان عبد العزيز بركة ساكن حاول الفصل بين شخصيتي الكاتب والراوي، رغم ان الكثير من المعطيات تؤكد تطابق سيرته الذاتية مع سيرة الراوي، منها انه عاش في طفولته في مدنية القضارف، وان والده كان جندي سجون والتحاقه بمدرسة ديم النور الابتدائية، والدليل الدامغ على ان الراوي هو الكاتب ذات نفسه عندما سئل الراوي عن اسم امه من قِبل ود امونة في اول لقاء جمع بينهما قال مريم، بينما قال صديقه ان اسم امه زينب ابكر، ويتمثل الجانب التخيلي المغاير لسيرة الكاتب، بوضوح في زواج الراوي من ألم قشيّ، وهروبه إلى الحبشة بعد تمرده، وهنالك ادلة اخرى تثبت أن الراوي وصديقه سيان، سنتطرق لها لاحقا.
العنوان في: الجنقو مسامير الأرض
لا شك أن العنوان جاذب ومشوق، وذات دلالة رمزية، ذكر الكاتب بكل امانة انه "مقولة لمجهولين وليست من بنات افكاره، دعنا نفككه في محاولة للوقوف على مدلولات مفرداته ورمزية هذه المقولة
-       الجنقو: اسم موسمي لعمال زراعيين، تم تعميمه ليشمل شريحة مجتمعية تضم بالإضافة إلى العمال الزراعيين لمختلف المواسم، الفدّادِيات، بائعات الهوى، الفَكَيَة (الفُقرا)، منسوبو السجون (عساكر وعوائلهم) من دون سواهم من القوات النظامية، بعض الأفندية، هذه من الناحية الحرفية، أما من حيث الجهوية والإنثنية فهم خليط من الهامش العريض لمختلف الأعراق والأجناس يضم حسب الرواية: عرب وزُرقة واحباش. بطل الرواية (ود امونة) ليس جنقوجوراي بالمنعى الحرفي، لأنه لم يعمل بالزراعة قط، وكذلك البطلة ألم قشّي زوجة الراوي فيما بعد، وحتى الراوي نفسه عندما اصبح مزارعا صغيرا، واستأجر الجنقو في بعض أعماله، ظل جنقوجورايا ولم يرتق إلى برجوازي صغير أو جلابي، مما يؤكد أن الجنقو طبقة اجتماعية اكثر من كونه عمال زراعيين، وهنا يمكننا القول أن المقصود بالجنقو هم المهمشون او الهامشيون، سيما وقد أنضم رعاة حانقين لمتمردي الجنقو ضد البنك (رمز الثروة والسلطة) وبما ان الهامش اصبحت مفردة غير إيجابية بالنظر إليها من بعض الزوايا، فإن الجنقو يعتبر "يافطة" جاذبة وموفقة لعمل روائي تعتبر صرخة سبّاقة ومحاولة كشف وإدانة لواقع مجتمعي ينسحق فيه المهمشين تحت عجلات أخطبوط النظام الرأسمالي الذي لم يترك لهم البُد من التمرد.
-       مسامير: لا قيمة للمسمار في ذاته، ما لم يُدّق ويُثّبت بحرفية في الجسم او الكيان البنيوي، أي ان المسمار ليس اصيلا، وانما هامشي الوظيفة، يمكن الاستغناء او الاستعادة عنه بالمواد اللاصقة، أو بأدوات الربط أو باللحام، وكذلك الجنقو فقد احالتهم "الميكنة" الزراعية إلى عطالة، الأمر الذي اثار جنونهم، الجنقوجوراوي كالمسمار تماماً، أن نزعته من مكانه، غالباً لا يصلح للاستخدام في مكانٍ آخر، وغالباً ما يكون مستقرة مكب النفايات، وتدويره مكّلف، أما من حيث الرمز، فهناك (مسمار نص)، ويرمز للمركزية والذي بدونه يُشل الحِراك. وهذه الرمزية على الأرجح ما يقصده المؤلف ضمن مفردات هذا العنوان. وهناك (مسمار حجا) والمقصود به "الخازوق" الذي لا يمكن تجاوزه، وهو ايضا مدلول ايجابي في هذا العنوان. ومن صفات المسامير انتشارها وتوزيعها على الجسم البنيوي لضمان ثباته، وكذلك الجنقو، ينتشرون في الأرض لتظل راسيا ولا تميد بساكنيها، وهو المعنى الأرجح لهذه المقولة "الجنقو مسامير الأرض"، وهنا التشبه اقرب الي مسامير (النِقالة) التي مصيرها "الدَرِش" ومجابهة الأرض من اجل أن يظل الحذاء متماسكا، سيما وان كلمة مسامير جاءت كجمع وليس مفرد.
-       والمسامير من جنس المعادن التي تصنع منها، وإلا فشلت في مهمتها، فمنها ما تصدأ، ومنها غير ذلك من الفولاذ، رغم أن المهمة الاساسية للمسامير هي تثبيت مكونات الجسم البنيوي، ومنعها من التفكك والانهيار، وهي ما يطلع بها الجنقو في الأراضي المنتجة أو المجتمعات الزراعية، إلا أن هذا المهام ليس ازلياً او سرمديا. والمسمار من أي معدنٍ صنع، بالضرورة ان يكون حاداً، وحِدة الجنقو كمسامير للأرض اسء استخدامهم تمثل في تمردهم  ضد البنك الزراعي واحداث الخراب الاقتصادي وحرق المحاصيل الزراعية.
أما بعد الاطلاع على النص السردي، نرى أن العنوان الأنسب للرواية ما يفيد أن الجنقو معذبون في الأرض، وهامشيون وليسوا مهمّشون كما نبين من واقع الحوارات وافادات شخوص الرواية.
العنوان في: الخبز الحافي
-       افضل ترجمة لهذا العنوان، هي الترجمة الإنجليزية، والتي تقول (من اجل الخبز وحده)، أي من اجل الحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة، بدون رفاهية أو كماليات، لذلك نجد ان هذا العنوان تبريري بامتياز لكل ما اقدم عليها الروائي المهمّش محمد شكري الذي تعلم القراءة والكتابة في السجن ليصبح من اشهر الروائيين العرب، رغم ان هناك من شكك في هذا، تبرير لِما اغترفه من سرقة وسُكر وتعاطي المخدرات وممارسة الشذوذ الجنسي، وعقوق الوالدين وكافة انواع الموبقات الاجتماعية، وهو مختصر في كلمتين اثنتين من بنات افكار الراوي، فيه الرمزية التي ينم عن خيال واسع وابداع خصب ابتعد من خلاله عن المباشرة. وفي سياق المقارنة بين الروايتين، هنالك جائزة في المملكة المغربية تمسى جائزة محمد شكري للأدب الهامش.
مأساة بطل الجنقو
-       ورد في الرواية أن بطل الراوية (ود امونة) "دخل السجن في هذه المرة الأخيرة مع أمه منذ سنتين، أي أنه كان في السابعة من عمره وهو العام ذاته الذي التحق فيه أنداده من أطفال الجيران بالمدرسة." انتهى.
من هنا بدأت مأساته، فقد حرم من التعليم بجريرة والدته اولاً، وثانياً بإرسالها أي امه  بصورة متكررة للخدمة في بيوت ضابط السجون وجيرانهم، وتركه كفريسة شهية للذئاب البشرية من المساجين والسجينات. ".. أمك حتجي بعد كدا، المأمور كَرّهها الدنيا.. إنت عارف ملابسه وملابس أولاده وبناته، وحتى جيرانه. والله أنا شاكة في إنو قاعد يأخد عمولة من الناس في الغسيل.. أمك لو بقت مكنة غسيل حتنتهي..". انتهى. لا ندري إن كان هذا حال كافة السجون في البلاد، ام انها حالة خاصة بسجون الهامش، كيف لا تكفل الدولة حق التعليم لأمثال ود امونة؟ وكيف لا توفر لهم الحماية كأطفال ضد الاستغلال والاعتداء الجنسي؟ ".. خوفها الشديد عليه له ما يبرره، خوفها من الجميع دون فرز، مسجونات ومسجونين، سجانين وعمال سجن .. ". انتهي. أنه من الظلم أن توضع امرأة مرضعة أو حبلى شرعاً أو سفاحا في سجن عمومي، لذلك فقد كان تساؤل محمد شكري الطفولي في روايته (الخبز الحافي) عبقرياً ومنطقيا، فقد تساءل قائلا: "هل المرأة ايضا يمكن ان تدخل السجن؟"
ثم بأي حق وباي منطلق يستغل السجينات والمساجين كخدم في بيوت كبار الضباط؟ فإن كان عليهم أداء أعمال شاقة ضمن محكوميتهم، يجب أن يكون ذلك في المرافق العامة وللصالح العام، ولتدفع الدولة بدلات نقدية لخدمة كبار ضباط قواتها النظامية إن شاءت، اعتقد أن هذا السلوك المشين، متوارث من ربق الاستعمار، وينبغي أن يوقف تشريعيا.
من المتعارف فنياً، ان الروايات تطرح اسئلة، وليست معنية بالأجوبة، لذلك نعتقد أن الأديب بركة ساكن حسنا فعل بطرح مثل هذه الأسئلة الضرورية بشكل واضح في مستهل هذه الرواية الفذة.
ودة أمونة بطل رواية الجنقو مسامير الأرض، ضاع اجتماعياً بسبب أوّلي هو حرمانه من الأبوة (اب مجهول وام منحرفة) وبعامل ثانوي هو تنشئة السجون وبيوت الدعارة التي وجد نفسه فيها وهو في سن المراهقة، ومحمد شكري سقط إلى قاع المجتمع بسبب فظاظة والده وقساوته كسبب اوّلي، ثم الفقر والعوز كعامل ثانوي، ومن المفارقة، فقد افسد بيئة السجون ود امونة، بينما عتق السجون محمد شكري وأنتج منه روائي عبقري.
-       كلا الروايتان تتمحور حول الخمر والنساء، والتسكع والتلكع، وإن كان التسلكع والتلكع عند الراوي وصديقه اختياريا، فإن التشرد عند محمد شكري كان قدرياً، وبينما كان التخنث عند ود امونة يبدو قدرياً، كان ممارسة الشذوذ عند محمد شكري من اجل الخبز الحافي، والقاسم المشترك بينهما ان كليهما دفعت به ظروفه الفردية والاجتماعية إلى السقوط إلى سحيق قاع المجتمع.
-       الحبكة في الجنقو مسامير الأرض عنكبوتية الشكل، أما في الخبز الحافي فأحادية المسار، ونهاية كليمها جاءت مفتوحة وبالإمكان اضافة ملاحق لها، وإذا قدر للجنقو أن يعبر الحدود والأطر المهنية للمهمشين، فإن محمد شكري يمكن أن يكون احد ابطالها، وفي ذات الوقت ود امونة يمكن أن يقوم بدور بطولة مطلقة في نسخة اخرى للخبز الحافي.
اللغة في "الجنقو"
-       اللغة العامية في هذه الرواية اكثر سلاسة ومباشرة في توصيل المعنى من الفصحى، وهي أي العامية متسقة مع انحياز الكاتب للمهمشين وتتسق مع صراحة السرد، والذي لا يعرف المواربة وتغليف المعاني.
يوجد اخطاء إملائية طفيفة من شاكلة ".. كان الصول ما يذال هناك .. " تحت عنوان: وَدْ أَمْوُنَةَ السِجِنُ والسَجّانُ، والمقصود (ما يزال)، وكذلك ورد كلمة سمود ضمن عنوان (جهنم...جهنم عديل!) والقصود ثمود.
السياق الزمني "للجنقو"
-       تقول السجنية عازة للطفل ود أمونة: ".. حأطلع ليك شهادة تسنين، وحأدخلك المدرسة.. أنا بعرف مدير مرحلة الأساس، قاعد يجي بيتنا في القضارف.." انتهي. والصلاة الإجبارية في السجون، وتحذير السجّان الواعظ (جاك طويله) من عذاب من لم يطع الحاكم، هذه جميعا دلالات أن السياق الزمي لأحداث الرواية هو زمن الإنقاذ، وتاريخياً تم التحول من المرحلة الابتدائية إلى مرحلة الاساس عام 1995م، وإن كان في ذاك الوقت ود امونة عمره تسع سنوات، وإذا افترضنا أن الراوي قد شرع في تدوين هذا السرد مباشرة فور انتهاء مشاهده في ديسمبر2004 يكون ود امونه قد اصبح وزيراً اتحادياً قبل أن يبلغ سن الرشد (18 سنة) في على احسن الفروض، وهو امر غير مقنع، ويدل أن السياق الزمني لأحداث الرواية مكّثف إلي درجة الانفجار.
الحيز المكاني "للجنقو"
-       من خلال الحضور المكثف للسجون، استطاع الراوي أن يخلق ارضية مشتركة لمعظم شخوص الرواية، فهم اما مترددي سجون، او تربية سجون، او منسوبيه (ضوابط وجنود) وفيما يبدو ان هذا القطاع من القوات النظامية هو المتاح او المفضل للجنقو كشريحة اجتماعية (مهمشون، او هامشيون)
-       يلاحظ حضور حبشي مكّثف في الرواية، البطلة ألم قشيّ زوجة الراوي فيما بعد، الام ادي صاحبة بيت المتعة الرئيس، وجميع فتيات الليل، واشهر الجنقجوراويات الصافية، واغنى واشهر رجل أشار اليه الراوي (ابراهيت الفلاشاوي)، الخمور المستوردة، الأطعمة (رغنني، وجبة الديوك الحمر، الشطّة الدليخ)، الاغاني (لولي الحبشية)، "الزولة دي بتحبك، وإنت عارف حُب الحَبش" انتهي. هروب متمردي الجنقو والنازحين كذلك إلى الحبشة، وثورياً قول داليا: "الجنقو اتعلموا طبيعة الحبش.. ما بيخلوا حقهم بالساهل." انتهى.
هذا الحضور المكثف للحبشة والاحباش يجعل من هذا المجتمع غير مثالي لمجتمعات الجنقو في بقية اجزاء السودان، رغم تعمد الراوي عدم ذكر اسم الحِلة التي دارت فيها معظم احداث الرواية والتي كانت يوماً من الأيام تعتبر مركز الدنيا حسب توصيف الراوي، هذا التجاهل قد يفهم منه إمكانية تكرار المكان في اية بقعة اخري في شرق البلاد.
انفصام شخصية الراوي
-       ".. بالإضافة إلى أننا كنا نعمل في مؤسسة حكومية واحدة، طُردنا للصالح العام معاً، إلا أننا عشنا طفولة واحدة في قِشْلاقِ السجون بمدينة القضارف، ولو أنه كان يسكن في قِشْلاق الضباط حيث إن والده كان ضابطاً كبيراً ومديراً للسجن، ووالدي جندياً بالسجن، امتدت علاقتنا من المدرسة إلى الحي إلى البيت، ثم لم ننفصل عن بعضنا البعض منذ أكثر من ثلاثين عاماً، كلانا كان كتاباً مفتوحاً مفضوحاً أمام الآخر، حيث إننا كُوِنّا نَفَسِيّاً ومعرفياً بصورة تكاد أن تكون متطابقة، قرأنا في مدرسة ديم النور الابتدائية، لعبنا خلف البَيطري وعلى تُخوم مقابر المدينة معاً، تشاجرنا مع أطفال دَلَسَا وسَلاَمَةْ البَيِهْ جنباً لجنب، سَبحنا في خُور مجاديف وبِرَكْ مَكِي الشَابِكْ، ولعبنا جيش جيش في وسط غابة الحسكنيت على سفح جبل مكي الشابك، قرأنا ذات الكتب واندهشنا معاً باكتشاف جُبران خليل جُبران، ميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي، ومهرجان المدرسة القديمة، ونحن نكبر تدريجياً عرفنا معاً نيتشه والنساء، ودقات ريشة ڤان جوخ، ثم حفظنا أشعار أمل دنقل، ناظم حكمت، محمد محيي الدين، المُومِس العمياء، ماريا وامبوي.." أنتهي. ويضيف: ".. ثم قرأت وإياه ذات الجامعة، ذات الكلية، ذات التخصص .." انتهى.
هذا التطابق في شخصيتيّ الراوي وصديقه مجهول الاسم، يدل بما لا يدع مجالاً للشك، أن صديق الراوي ما هو نسخة ثانية لشخصيته، يقول على لسانه ما لا يود ان يصّرح به شخصيا. ولكن هنالك تناقض بين الشخصيتان، ما يشير إلى احتمال معاناة الراوي والذي هو الكاتب ذات نفسه من بوادر "شزوفرينيا"، فنجده مرات يميل إلى دعم التمرد والعمل المسلح، واخرى تميل إلى النضال المدني، يؤكد في مواضع اُخر استهجانه للعمل المسلح، ومن الشواهد النصية:
-       ".. أذكر أنه كان يحس بالغبن الشديد تجاه البنك، ويعتبر البنك والحكومة نفسها يعملان على زيادة غنى التجار، وأنهم ضد الجنقو.. كلنا نفتكر ذلك ونعتقد في ذلك ولكن هل هذا يبرر الاعتداء على المواطنين وأخذ أموالهم وممتلكاتهم وتخويفهم، وما علاقة ذلك بالغبن تجاه البنك أو الحكومة؟ ومن يدري قد تقود بعض هذه الحوادث إلى زهق الأرواح؟!!" انتهي.
-       وشاهد التماهي مع التمرد هو استعجال الراوي على حصاد وترحيل محصوله، الأمر الذي يضعه تحت طائلة التستر والتآمر مع المخربين الذين احرقوا محاصيل البنك وكبار المزارعين والذي حدث بعد حصاده المتعجل مباشرةً، واظن لهذا السبب فرّ الراوي إلي اثيوبيا متزعماً رهط من الجنقو واصبح زعيماً لهم في معسكر اللجوء.
-       يصف الراوي صديقه الذي لا نراه إلا نسخة ثانية من نفسه بالتناقض حيث قال: " .. وأعرف أنه لا يعدو كونه برجوازياً صغيراً متخماً بالمتناقضات والادعاء والأحلام الكبيرة، يحاول أن يقضي عطالته وصالحه العام في مكان يقدم له الدهشة والانفعال، المتعة والإثارة متعة المشاهدة .. ". انتهي.
-       وقد اعترف الراوي صراحة أنه يعاني انفصام في شخصيته حيث قال: ".. وهذا فضح لرجل انتهازي يسكن في خبايا شخص مدعٍ آخر وهُمَا أَنا، هذه شزوفرينيا أعاني منها كثيراً." انتهي.
القبلية في مجتمع "الجنقو"
-       يقول الراوي: ".. وشرحت لي أن تسعة وتسعين في المائة من سُكان الحِلة ليست لهم أجناس. ليست لهم قبائل، كلهم مُولدين، أمهاتهم حبشيات بازاريات، بني عامر، حماسينيات، بلالاويات، أو أي جنس، وآباؤهم في الغالب إما غرابة: مساليت، بِلالة، زغاوة، فُور، فلاتة، تاما، أو حُمران وشكرية أو شلك ونوبة ونوير، وفي قِلة من الشَوايقة والجعليين، وكضاب الزول البقول عندو قبيلة هنا، ولا جنس ولا خشم بيت .." أنتهي.
ومع ذلك فإن معظم شخصيات الرواية ينتسبون إلى قبائلهم وليس إلى ابائهم، نجد حلوم الزغاوية، إسحق المَسلاتي، أداليا الدينكاوية، الود البرناوي، ابراهيم الشايقي، عزيزة الزغاوية، أبرهيت الفلاشاوي، مناهل النوباوية، خميسة النوباوية، ود أبكر البلالاوي، ود فور، ود مساليت
الجنقو مهمشون أم هامشيون؟
-       الفرق بين الصفتين، وجود الفاعل الحسيّ او المعنوي، ووجود الإرادة او استلابها، ومن واقع معرفتنا بالجنقو، فإن النص السردي، مطابق في غالبيته لواقعهم (سيري)، وموازي له في جوانب (فني تخيلي) ففي الجانب الأخير نجد ما يؤكد بانهم ليسوا مسلوبي الإدارة، فقد اتحدوا واجبروا الجلابة على رفع سعر حصاد السمسم، وتمكنوا من إعادة الاعتبار لزميلهم مختار علي الذي لم يراعِ الجلابي اسماعيل حقه الإنساني في الرعاية الطبية.
-       ورد ضمن النص السردي: ".. اشتعلت المشاريعُ جنقوجورا يحرثون وينثرون السمسم وينشدون في صبرٍ وألمٍ، يصنعون الحياة الحَقة للملايين بعرق مُرٍ، ويحرمون أنفسهم من لحظة الحلم التي لا يعونها هم أنفسهم، لا يفكرون كثيراً ولا عميقاً في الأشياء" انتهى.
هنا يبدع الراوي في الوصف النفسي للجنقو ويصفهم بالصبر والأم الحرمان وعدم الوعي وعدم التفكير بعمق في الأشياء. بينما نجد أن مختار علي قد هرم وهو بلا طموح غير آبه لأسرته في الغرب. وهو زعيم الجنقجور وكبيرهم، يعترف عن نفسه ونيابة عنهم ويقول: "أنا مصيري بس شجرة الموت يا ولدي. وأنا ما ندمان على شيء، والله عشت زي ما عايز. واستمتعت بحياتي في شبابي، وحتى الآن أنا بعمل وبجيب دخل، وأنا مقتنع أنه أي إنسان ضاق نُسْوَانْ البلد دي، وشرب مريستها تاني ما بيفارق عيشتها، وأنا لا خليت نساوين ولا مرايس.." انتهى. هذا التوصيف الوجداني مغاير لما اورده الراوي.
بهذا الاعتراف، يبرئ مختار علي الجنقو من التهميش المجتمعي الممهنج، ويقِّر ضمنياً بقوله (زي ما عايز) بانهم هامشيون باختبارهم المحض، وهذا الإقرار غيّر رأينا المسبق عن الرواية، بأن مشكلة الجنقو ذاتية وليست مجتمعية. يعزز هذا الاستنتاج قوله ايضا: "ولكن نحنا ما فينا فايدة، الواحد بيلقى العشرة والعشرين في زمن القرش الواحد عندو قيمة، ولكن الواحد مننا يشيل القروش وينكسر في كنابي المريسة في (الحُمرة) في فريق قرش،   دي حلوة، دي مُرّة، دي حامضة، دي فطيرة، دي خميرة، دي فتاة، ودي عزباء، دي شرموطة، ودي شريفة .. أكثر من أربعين سنة بالصورة دي .." انتهى
-       لم يبد الجنقو الندم على ضياع حياتهم بين الخمر والنساء، حسب افادة كبيرهم مختار علي الذي افاد انهم لم يكونوا فقراء او معدومي حيّل الثراء وامتلاك الارض التي هم فتوحها وعمروها لغيرهم (.. وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) الروم.
-       اما قول مختار على عن الجنقوراوي: ".. ولكن أولاد الحرام وبنات الحرام دائماً له بالمرصاد .. " انتهي. فأولاد الحرام هنا هم اصدقاء وصديقات السوء، وهم ليسوا شخصية اعتبارية يمكننا ان نحملها مسئولية تهميش الجنقو
-       اما بالنسبة للفاعل المتهم بممارس للتهميش، وهنا الحديث عن النص الموازي لواقع الجنقو، وإذا نظرنا للبنك الزارعين كرمز للثروة والسلطة، فإن اختصار سياسته التمويلية على إقراض كبار المزارعين يعتبر من منطلق موضوعي، لا يمكننا ان نفسره باستهداف للجنقو او تعمد تهميشهم، وهي متسقة مع توجهات النظام الرأسمالي المعنيّ والمنحاز لل Big business ومن الطبيعي ان ترفض أدارة البنك مقترح الرهن التعاوني المقدم من قبل وفد الجنقو كصيغة من صيغ النظام الاشتراكي وليس النظام الرأسمالي.
مدلولات الاسماء
-       كمال الدين: هذا الاسم الحقيقي لبطل الرواية ود أمونة، وهو شاذ جنسياً وقوّاد (بالتعبير البلدي)، يصفه الراوي بقوله: "مهمته الأساسية هي أن يجمع امرأةً برجل وأن يستمتعا"، كيف يمتهن شخص هذه الحرفة ويكون اسمه كمال الدين؟
-       آمنة أو امونة: عاهرة، بائعة خمر ومترددة سجون، انجبت ابنها ود امونة سفاحا. هذا الاسم غير مناسب من منطلق عقدي.
-       الصافية: اسم على غير مسمي، فبالإضافة إلى كونها غير سوية جنسياً، يقول عنها الراوي: "حسب وجهة نظري في الصافية ما يجذب رجل مدينة.. " انتهي. ويضيف " .. لها رائحة متميزة، عبارة عن صُنان." انتهي. ويستنج الراوي رأي ود امونة فيها بقوله : " .. ولم تعجبه فكرة أننا نكتفي بهذا الوحش" انتهى. كيف يطلق اسم الصافية على انسانة بهذه المواصفات؟
-       التركي: "أسمه بلال حسن التركي او تركاوي" انتهي. أي مدير البنك الزراعي، المقصود الرمزي من إلحاق تركي أو تركاوي باسمه، انه ليس ود بلد، ونظن انه لا ضير أن يكون مدير البنك كمهني محترف من خارج ابناء الحِلة او المنطقة.
-       عازة: مروجة بنقو ومترددة سجون، وهذا الاسم يرمز سياسياً وادبياً للوطن (عازة او عزة خليل فرح)
في تقديرنا أن اختيار الأسماء في الرواية غير موفق.

نواصل
//ابراهيم سليمان//