السبت، صفر 12، 1438

مرئيات عائد من البلاد (2/2)

ليس من رأى كمن سمع .. مرئيات عائد من البلاد (2/2) 


عدت إلى البلاد وقد تغيّرت خارطته، وتبدّلت اللوحة التشكيلية التي تعكس سحنات الناس في الخرطوم، فلم اجد الشباب الجنوبيين في فرندات السوق الأفرنجي، وإن لمحتهم في اية بقعة تجدهم منزوين ومساكين يتحدثون حمسا، وإن تعمدت التحدث إليهم يرتابون منك، والناس في داخل المواصلات العامة، رغم تظاهر انشغال البعض بالهواتف الذكية، فهم صامتون، يبدو لنا ان الهواجس قد ترعرعت فيما بينهم، وانهم غارقون في همومهم المعيشية، التي صادرت منهم "رواقة" المزاج والمقدرة على الابتسامة، ومن يحاول افتعال "ونسة"، يتفرسون هويته، ولسان حالهم يقول إما أنه "شايف نفسه" أو فاضي هم .. لاحظت ارتفاع وتيرة الحديث بسوء عن انصار السنة المحمدية، وتعدد اجترار وقائع مواجهاتهم مع الآخرين، عقب الخروج من المساجد، تجد من يتطرق لهم دون مناسبة، ومتى ما جنح الحديث في اللقاءات العامة، إلى الشأن الديني، إلا كان لهؤلاء الجماعة نصيب مقدر من استهجان تصرفاتهم، ومحاولات فرض مذهبهم على الآخرين بنوع من الفوقية والخشونة، شاهدت عدة إعلانات عن كورسات في فقه المذهب المالكي وعدد من جمعيات باسمه معلقة على اسوار المساجد.
دون المتوقع
حسب تصورنا، عدد المتسولين في شوارع الخرطوم اقل مما توقعت، نظراً للأعداد المتزايدة للنازحين والمهجرين قسرياً وتدفق اللاجئين المتزايد من دول الجوار، ليس مستبعدا تعرضهم "لكشات" وحملات استهداف، قبل وصولنا للبلاد، ومن الملفت تغلل الأحباش (اثيوبيين وارتريين) في سوق العمل بصورة ملحوظة، ومرد هذا الغزو حسب تقييمنا بالإضافة إلى تدني اجورهم، يبدو لنا أن الوجود الحبشي في بعض المحال التجارية، قد اصبح كنوع من الوجاهة و"البسرتيج".
القيادة .. قلة الذوق والأدب
تعلمنا من مدرسة الحياة، قبل أن نقبض على مقود "كارو": ان القيادة ذوق وأدب، يبدو لي أن هذه القاعدة اصبحت من الماضي .. استأجرنا حافة خاصة، بدا لنا أن السائق لطيف ومهذب، لكن صحيح أن المظاهر خدّاعة، مع المغيرب ونحن على مدخل كوبري النيل الأبيض من ناحية الأبراج، اوقف السائق حافلته على حافة الطريق، وترجّل دون أن يخبرنا وجهته، عبر الناحية الأخرى اتجاه املاك الوليد بن طلال، ظننا به خيرا، وانشغلنا في "الونسة"، عاد بعد حوالي ربع ساعة، وعلى طريقة الشاعر عمر الدوش في قصيدة سعاد (طبيت قزازتي مرقت عند طرف البلد) عاد السائق الهمام طابي "قزازة" عارية معبأ سائل حتى عنقها نحسب انه خمر، نهرناه، وهزئنا به، واصل مشواره ولم ينبس ببنت شفة. صدقوني هذا ليس مقطع من رواية خالية، انه حدث وأنا مسئول عن واقعيته امام الله. وسائق آخر، اظرف منه بقليل، توقف على جانب الطريق، تركنا في داخل الهايس، عبر في نفس الناحية، تناول كيس "صعوط" على عجل وعاد دون أن يعتذر، او يحتج أي راكب وكأن الأمر عادي.
والأنكى وامر، تعرضت حافلة مهترئة لحادث قبل أن يقلنا، تصدعت بسببه زجاج شباكها الخلفي، وأثناء السير بدأت جزئيات الزجاج المهشم في التساقط داخليا، فما كان على السائق ألا أن يوجه الكُمساري بدفها (دفعها) لتتساقط على الأسفلت النظيف والناير وهو مستمر في القيادة، وسط اندهاش الركاب، أي الله، هذا السائق الهمام وغير المسئول، لم يكلف نفسه النزول بمركبته الخربة، من الزلط ورمي هشيم الزجاج بعيداً عن قارعة الطريق، وبقدر ما غاظني سلوك السائق، استنكرت سلبية الركاب ازاء تصرفه الأحمق هذا. ينبغي أن يدرك المواطن أن مسئولية الحفاظ على الموافق العامة لا يكن أن تضطلع بها السلطات الرسمية وحدها بأية حال من الأحوال، هذا الفهم في منتهى التخلف، وعلى السلطات أن تحض المواطن على أن يكون ايجابياً، وغيوراً على مرافقه العامة، وأن تحمل شكاويه وافاداته في هذا الشأن محمل الجد والتقدير، وفي تقديرنا أن الأمر يجب تدرج في المناهج الدراسية، وتطبق عملياً داخل اسوار المدارس ورياض الأطفال. لم لا تنشئ شرطة المرور اذاعة اف ام توعوية تساهم في ترقية وتهذيب سلوك السائقين؟ بإمكانها ان توظف الدراما بفاعلية في بث رسالتها إلى الناس.
مثل هذا السلوك الأشتر، وهذه التصرفات المشينة، لم نعهدها من سائقي المركبات العامة قبل مغادرتنا البلاد.
تعرض مراهق لصفعة مؤلمة داخل مركبة عامة، على يد كمساري مراهق مثله، لأنه وزميله امتنعا عن دفع مبلع جنيهين الذي طالب به الأخير، وإلتزما بدفع جنيه لكلٍ حسب التسعيرة الرسمية للمشوار مع الاحتجاج علنا، سددا له عدة لكمات قبل ان يتم احتجازهم من قبل الركاب. منذ متى بات يُصفع من يحتج على تجاوز تسعيرة المواصلات العامة؟ في تقييمنا أن تلك الصفعة كانت عنصرية، ذلك أن المراهق المعتدى عليه من قبل الكمساري، هو وزميله من سحنتيهما ولكنتيهما يظهران انهما من اطراف الهامش، بمعنى ليس من حقكما الاحتجاج ورفع الصوت.
الرقم الوطني .. ما اسهله!
حوسبة السجل المدني، خطوة موفقة ومقدرة وإن جاءت متأخرة، كافة المراكز بها مظلات ومقاعدة للمراجعين، ومراوح في بعضها، هذه الحوسبة غيرت من سلوك المراجعين، وحفظت لهم الحاسب الآلي اولويتهم في الخدمة، وألزمهم الصبر الجميل، رغم ذلك، ما زال هناك من يدخل هذه البيوت الحكومية من شبابيكها وليست من ابوابها. هنالك عبارتان تعكران مزاج المراجع للسجل المدني، (الشبكة طشّت، والكهرباء قطعت)، راجعت اكثر من مركز في هذا الشأن، وفي بعضها، يستحيل الاّ تسمع احدي العبارتين على مدى ساعتين او ثلاث. حسب تجربتنا، نعتقد أن صرامة اجراءات وتحريات الحصول على الرقم الوطني ليست كافية، ويبدو لي من السهولة بمكان حصول الأجنبي عليه دون مشقة، ونجزم أن تحريات الحصول على شهادة الجنسية كانت جادة وبمسئولية اكبر مما هو عليه الرقم الوطني.
موظفوا السجل المدني، يفتقرون إلى الإلمام بجديات خدمة الجمهور، فمنهم من يتحدث بالهاتف لدرجة يختلط على المراجع، هل الحديث يعنيه أم يعنى الشخص الافتراضي! ومنهم مع يضع السماعات Head Phones على اذنيه، وهو في شباك الخدمة، أي الله، ليس لديهم بطاقات توضح اسمائهم، زد على ذلك صلف بعضهم وعنجهية البعض الآخر، ولا ادري ماذا تُدرّس في كليات التنمية البشرية التي اضيفت لمعظم الجامعات، منهجياً من المتوقع أن تدرس هذه الكليات مثل هذه الكورسات الوسيطة، ومن المفترض إلزامياً الاً يجلس كائن من كان على مقاعد هذه الشبابيك، قبل اجتيازه  دبلوم خدمة العملاء/خدمة الجمهور، على اقل تقدير.
في السجل المدني بالثورة الحارة 17 بعد عطلة عيد الأضحى مباشرة، شهدت بأم عيني واقعة اعادت إلى مخيلتي السينايو المؤلم الذي تعرض له المواطن اسعد التاي بقنصلية جدة قبل سنوات، حيث احتجز موظف السجل (نظامي في لباس مدني) على الأرجح، مواطن داخل مكتبه، وإنهال عليه صفعا ولكما، براحة يديه ثم انتزع حزامه، محاولاً ارغامه على الجلوس على الأرض، رأيت المشهد رأي العين من نفاج زجاجي لمكتب ملاصق لأرض المعركة، لم يتخلص هذا المواطن من الفتك التنكيل به، إلا بعد اقتحام شخص آخر في لباسي مدني، لباب المكتب عنوة، يبدو انه زميل للمعتدي او رجل مباحث. لم اتبين سبب المشكلة، ولكن كل ما سمعته، قول المعتدي: عايز تورّيني شغلي؟، والله على ما اقوله شهيد، متى يتوقف منسوبو القوات النظامية من استغلال سلطاتهم واساءة استخدامها؟
هيبة الدولة .. مفقودة
رافقت زميل عزيز، إلى سلطات الجمارك بمطار الخرطوم، وهو رجل اعمال شاب، ليس لديه صلة بالنظام او الحزب الحاكم من بعيد او من قريب، تسمّرت في محلي عندما دخلت معه على ضابطين برتب عقيد او عميد، وهو يسلم عليهما بيده اليمنى ويتحدث بهاتفه النقال، ترحمت على هيبة الدولة. عندما هنا في انجلترا، ممنوع منعا بات التحدث بالهاتف في صالات الانتظار، فكيف يسمح بها عندنا في مكاتب كبار الضابط؟ صادفت عدة مرات افراد من منسوبي القوات نظامية يقلون المواصلات العامة، وهم في كامل زيهم الرسمي، لقد اختلط عليّ الأمر ان كان هذا الأمر معتاداً في السابق، ام انها ظاهرة جديدة، في تقديرنا، ان كانوا لا محالة فاعلين، عليهم ارتداء ملابس مدنية من منازلهم، او تبديل زيهم الرسمي في مواقع العمل قبل "الشعبطة" في المواصلات العامة، لأن في ذلك نوع من استغلال سلطاتهم في ظل ازمة المواصلات الحادة، فمن ذا الذين يجرؤ على مزاحمة رجل المرور في الدخول إلى المركبة، او منازعة رجل البوليس في الأحقية في المعقد، وان دفع النظامي جنيهين للكمساري اجر المشوار، فمن ذا الذي يتجاسر بدفع جنيه حسب التسعيرة الرسمية، والدخول في الجدال المعتاد؟. شارع النيل من الموردة وحتى كبري الحلفاية، شارع مخيف، السرعة الزائدة، تجبرك على حبس الأنفاس، ومسك الشهادة، وتسلبك فرصة مشاهدة سحر النيل، والتمتع بجمال الخضرة النادرة أو شبه المعدومة وسط الخرطوم، سرعة 70كم المسموح بها في هذا الشارع، في تقديرنا لا تناسب الحالة الميكانيكية المتهالكة لمعظم مركبات العاصمة.
من المفارقات، دلفت إلى مركز توزيع شرائح خدمات النت، لأفاجأ بأحد منسوبي القوات المسلحة بكامل زيه المُبرقع (مظلات) يجلس في الاستقبال، طلب منى اصل الرقم الوطني، استغربت وجوده في هذا المكان، واستدركت أن اللواء او الفريق حمّيدتي قد تصدى لمهامهم، ولم يبق لهم سواء مثل هذا المهام المدني الهامشي.
المناهج الدراسية .. اصولية على قدم وساق
لمحت مدرسة خاصة في حي امدرماني راق، اسمها (مدرسة جمال الدين الأفغاني)، سألت جاري في الهايس مستنكراً على طريقة عادل امام: هو جمال الدين الافغاني عمل ايه؟ ليقول لي: مصلح ديني، قلت له وانحنا مالنا ومالو، ما المهدي مصلح ومنقذ ديني! استمر حديثنا في من يصادق بمثل هذه الأسماء؟
الشهر المنصرم، أطلعت على ورقة التربية الإسلامية لامتحان الفترة لأبني في سابع اساس،  توقفت عند سؤالين واجابتيهما، في قسم المقابلة، السؤال الأول من القائمة (أ) الولاء للمؤمنين، الإجابة الصحية المقابل له من القائمة (ب) التشبه بالمؤمنين. السؤال الثاني من القائمة (أ): من مظاهر الولاء الحرام، والإجابة الصحيحة المقابل له من القائمة (ب) نصرة المسلم للكافر
جوهر هذين السؤالين واجابتهما، يتمحوران في أُس فقه الولاء والبراء، القائمة على الأصولية المحرضة على كراهية غير المسلمين، لماذا يفرضون على النشأ مثل هذه المفاهيم الجدلية في سن مبكرة؟ لم لا يتركون لهم هذا الخيار المذهبي عندما يبلغون سن الرشد؟ أليس لنا حق في اختيار ما يدرسه أبناؤنا؟ ما لنا وما الأصولية المذهبية، نحن مجتمع متعدد عقائدياً، فيه المسلم والمسيحي، وفيه المالكي والصوفي الحنبلي ... الخ. ولماذا سؤالين في فقه الولاء والبراء من جملة عشرة اسئلة؟ الإجابة البديهية يعنى التركيز والأولوية! ادركت أن وزرة التربية التعليم، يمثل خطر على سلامة معتقد ابنائنا.
يخدعون ابنائنا بحرمة نصرة المسلم للكافر، ويتجاهلون حكم استنصار المسلم بالكافر! أيهما اشد كفراً، روسيا والصين، ام امريكا والاتحاد الاوربي؟ السؤال موجه لهيئة كبار علماء (السلطان) الآن الصين هو الولي الحميم للنظام، وطائرات روسيا وطيارو اوكرانيا، هم من يدكون جماجم المسلمين في جبال النوبة والنيل الأزرق، وينثرون الكيماوي على المسلمين في جبل مرة، اين الولاء والبراء في هذا التصرف؟
أكرر، الكسل والبيروقراطية وافتقار الكفاءة الإدارية، وعدم الشعور بالمسئولية، واللامبالاة هي السمة السائدة وعنوانا للحالة السياسية الإدارية في الراهنة في البلاد. أعتقد اصبح فرض عين على كل مواطن سوداني ابي يسكن العاصمة على وجه الخصوص، أن يكون شغله الشاغل، نظافة البلاد من قبضة المؤتمر الوطني، في تزامن مع نظافتها من النفايات.
رغم كل شيء، ورغم كل هذه التحولات السالبة، في سلوك الإنسان وملامح المكان، صدقوني، شعور الإنسان انه في بلده، وسط اهله وبين اصدقائه، لهو شعور يعيد للإنسان توازنه، ويمكنه من استعادة ظله المفقود وهو شعور فوق الوصف ولا يضاح.
//ابراهيم سليمان//
ebraheemsu@gmail.com



مرئيات عائد من البلاد 2/1

ليس من رأى كمن سمع .. مرئيات عائد من البلاد


يغادر الواحد منا البلاد، ويأمل أن يتوقف الحياة وراءه، ليستأنف مشواره من حيث وقف متى ما عاد، خاصة إن كان مغتربا، ذلك أننا نرى أن حياة الغربة مهما رغدت، فهي ليست بحياة، فلا معنى للحياة في وطن ليس فيه من يعرف مقدارك، ويعزّ حضورك، ويثمن اشياءك، ويحتفي بتضحياتك، والمقصود هنا الأهل والأقارب وليست السلطات الغاشمة، ولكن هذه الأمنية محال تحقيقها، ومن غادر فلن تنتظره الحياة، وغافل من يظن أنه يعود بعد غياب، ويجد الاشياء هي الأشياء كما قال عملاقنا الراحل الفيتوري، وكما أن السعادة في أن ترى أطفالك يكبرون بين يديك، كذلك المدن والأمكنة، نماؤها المفاجئ يبرك الإنسان الغائب، ويفضح تغيبه ويلاحقه بالذنب المستتر.
زرت البلاد بعد غيبة مطولة، امتدت لعقد ونيف من السنين، اهدرتها قسراً في خليج العرب وبلاد العجم، وعدت لأجد ملامح المكان قد تغيرت، وتبدلت اسارير الإنسان، وجدت نفسي غريب الوجه تائها وسط الخرطوم، اسأل عن ميدان الامم المتحدة، فيظنني السائلين انني من اهل الكهف، واشرئب لرؤية فندق اراك، واطوّل عنقي، وادور حول نفسي لأري مؤذنة الجامع الكبير أو عمارة الفيحياء لأتبين وجهتي لكنني احصد الهشيم .. اسمع "الكماسرة" ينادون لمحطة جاكسون، وابراج والنفق، والشروني ولا ادري اين هي وما اصولها، في غلفة من امرنا تحولت سنتر الخرطوم إلى غابة اسمنتية، رديئة التناسق، تحاصرها الضوضاء والوسخ المعتّق، سنتر ملوث ومختنق بلا رئة تتنفس بها، يخترقه اناس عجلى من امرهم، يشقون سبلهم بمعافرة وسط زحمة فارهات "الجياد"، اصوات ابواق السيارات، ومكروفونات باعة "ابو الرخاء"، وهدير المولدات الخاصة بين الحين والآخر، تسجيلات الداعية محمد سيد، بالإضافة إلى ضجيج عمليات الهدم البدائية والتشييد التقليدي، يشكل هذا العزف غير المتجانس، اوكسترا صاخبة وطاردة من السنتر إلا لمن اضطر غير عاد ولا باغ .. عطالة مقننة على قدم وساق، شباب في عمر الزهور وعمر المنى يجلسون الساعات الطوال امام ستات الشاي، أو يفرشون بضاعة صينية لا قيمة لها، مظهرهم جيد إلا انهم صامتون يغالبون همومهم ويتأمون مستقبلهم المجهول، نعود بأذن الله لهذه المسألة في مقال منفصل.
النفايات .. كارثة بيئية
قياساً على الحالة التي غادرت فيها العاصمة، ورغم التقارير الصحفية التي اطلعت عليها مسبقا، لم اكن اتصور أن الخرطوم متسخة وغارقة في النفايات البلاستيكية إلى هذا الحد، وليس هنالك فرق بين سنتر الخرطوم وسوق صابرين، ولكن الفرق النوعي تجده في معلم عاصمي بارز اسمه السوق الشعبي امدرمان، فقد اصبح هذا المكان عنواناً للقرف والعفانة والفوضى الإدارية، مظهر الخرطوم البيئي العام يعتبر عار وسُبة في جبين كل سواني رسمياً وشعبيا، ذلك أنني لم استوعب ان يتصالح الإنسان مع "الوساخة" ويعتبر الحديث عنها انصرافياً ومن يتحدث عنها بقلق مفتري او مترفع، ولم اتخيل أن يكون الإنسان عادياً وهو يحدق يوماً على المناظر الكئيبة ويسوح بناظريه في القاذورات والنفايات النتنة؟ الخواجات يقولون: Looking better, feeling better ، الشعور العام هو عدم المبالاة رسميا وشعبيا، اعترفت السلطات مراراً بفشلها في معالجة النفايات، اقرّت بتقصيرها وامتصت بذلك الغضب الشعبي، في تقديرنا ينبغي أن يستمر الضغط الشعبي وتعاونه مع السلطات لإيجاد حل ناجع ومعالجة دائمة للتردي البيئي ولا ينبغي أن يكون هذا الخطر الداهم محل مزايدة سياسية. التردي البيئي بالخرطوم، ينبئك بأن البلد ليس به رجالات دولة، وإن الكسل والبيروقراطية وافتقار الكفاءة الإدارية، وعدم الشعور بالمسئولية هي السمة السائدة وعنوانا للحالة السياسية الراهنة.
المطار الدولي .. مظاهر الكسل والشُح
اثناء العودة قدمت جوازي للموظف المختص بالمطار الدولي، سألني من اسمي الرابع، سألته لماذا؟ قال لي: لدينا حظر حتى الجد الخامس! رفضت أن اجبيه، وسألته هل لديكم صلاحية حظر مغادرون اجانب؟ اعاد لي جواز سفري ولم يجبني، شعرت انه مسكين، وغير ملم بمهامه، قلت لنفسي، لماذا يوضع من هذا الشخص في هذا المكان الذي يفرض أن يكون فيه من اصحاب الحنكة والدراية والثقة في النفس؟
لماذا تحجز سلطات المطار المغادرين خارج الصالة في هجير الشمس وقد يكون وسط المطر إلى أن ينادي المنادي لبدء الميزان للرحالات المعنية؟ لماذا لا تكون المظلات الدائرة الصغيرة خارج صالة المغادرة جزء من مظلتها وامتداد لها؟ هذا التصرف شاذ، لم اجد له مثيل في المطارات الاخرى. ولماذا يخرج القادم عبر المطار الدولي، إلى مواقف التكاسي للحصول على ترولي ليضع عليها حقائبه؟ أظن انها غير كافية، وليس هناك من يتعهد بإعادتها إلى الصالة.، كل شيء داخل المطار الدولي يدل على الكسل وعدم المبالاة والشُح.
في مطار ادريس ابابا، رأيت سودانيين يلبسون البردلوبة "على الله" وينتعلون السفنجات، أي الله، فخجلت بالإنابة عنهم، وشعرت بالغبطة من جاهزية مطارهم الدولي، وعندما رأيت طوابير المصطفين لدخول طائرة الجامبو المتجهة إلى لندن، قلت لنفسي ماذا يفعل اخوتنا في مطار الخرطوم إن حطّت مثل هذه العملاقة بأرضهم؟
مول الواحة .. صرح ممرد للأجانب
مول الواحة يعتبر صرح تجاري باذخ سوط الخرطوم، لكنه خالي من المتاجر العالمية، ومن الواضح أن اسعار البضائع المعرضة فوق المقدرة الشرائية للمواطن السوداني، ويبدو لي انه مكان مفضل لنزهة الأجانب سيما عندما تشتد درجات الحرارة، والمؤسف أن كافة المصاعد الكهربائية ((escalators and Lifts ضيقة للغاية ولا تتناسب وحجم وفخامة المبنى، تحس أن "الشغل" تجاري يشتم منها رائحة الفساد.
الخصخصة .. مفاجآت
من الأشياء الإيجابية التي انجزت في العاصمة، توفر الحمامات العامة بالأسواق، والمرافق الصحية للجمهور بالدوائر الحكومية، بغض النظر عن جاهزيتها ومستوى نظافتها، يعتبر مظهر حضاري، وكذلك المظلات والمقاعد لمراجعي دواوين الحكومة، قبل المغادرة كان المضطرين من الرجال يتبولون على الحيط، الآن توجد مرافق للجنسين في الاسواق في اقرب النقاط، لكنني ذهلت عندما لاحقني شاب فتيّ، وانا خارج من دورة مياه بحي خرطومي راقِ يطالبني بالأجر، توقفت عن الوضوء الذي شرعت فيه، دفعت له مضاعف ما طلبه، واستفسرت منه في هدء، لأعلم انه مستثمر، وللمزيد من التوضيح، سألت امام هذا المسجد الذي تربطني به صلة قرابة، لأتبين أن هذا المستثمر مسئول عن نظافة هذه المرافق، وللأمانة أن الوضوء مجان، اما دورات المياه فبالمقابل، لعنت في سري كبيرهم الذي علمهم الخصخصة (حمدي) وقلت في نفسي من الممكن الإجازة القادمة أن اجد من يقف في باب المسجد مستثمراً في نظافة فرشه، وصيانة اجهزته الإلكترونية، قلت لقريبي شيخ وخطيب المسجد، لقد فشلتم في حض المصلين حتى في التبرع لنظافة المسجد  الذي يصلون فيه! وذكر لي أن الأمر كله بيد الشئون الدينية والأوقاف والتي نحسبه من اغنى الهيئات في البلاد ومن افسدها حسب تقارير المراجع العام.
الخصخصة في كل مكان، والاستثمار هي المفردة الأكثر تداولاً في دينا المال والأعمال، وانا في حافلة داخل احياء امدرمان، اشدت بملاعب رياضية مصغرة مسورة ومنورة جيداً وسط الاحياء الشعبية، لافاجأ بمن يجلس بجواري يقول لي، وووين، هذا استثمار، بمعنى من يدفع في كل تمرين يلعب، ومن لم يمتلك الثمن يتفرج، "وباقي الحِتات كلها باعوها" كما اعترف عبد الرحيم حسين.
ليت دهشي عن اخطبوط الخصخصة انقطعت هنا، اقام لي أبناء العائلة بالخرطوم رحلة شواء معتبرة على ضفاف النيل الأبيض خلف الكلاكلات، تحت اشجار الحراز والسُنط الوارفة، لاحظت أن ظلال بعض الأشجار مزدحمة بالكراسي، في بادئ الأمر ظنت انها محجوزة، وقلت معلقا لماذا يحضر الناس هذه الكراسي في هذه الرمال الناصعة، ليقول لي قائل: هاي ووين، ديل سات شاي مستثمرات، يدفعن مقابل هذه الظلال للمحلية. بالذمة، ارتأيتم من هي جشعة ونهمة من هذه الحكومة؟ كيف لها ان تستثمر في اشجار الله القائمة على ضفاف نيله؟ لم يتبق لها إلا الاستثمار في الهواء وبيع الاكسجين للمواطن. وعلمت أن هذا الأمر سبب للعراك بين الحين والآخر بين رواد الشاطئ والمستثمرات.
المدراس الخاصة، أكثر من الهم في قلب المواطن السوداني، كنت اظن ان الطابور الصباحي للتلاميذ في الشوارع العامة كنوع من الدعاية الرخيصة لهذه المدراس، زرت عدد منها، لأتبين ان ساحاتها الداخلية تكاد تتسع للمدرسين والعاملين بها، تُزاحم هذه المدراس العيادات والمجمعات الطبية، ورفعت حاجب الدهشة عندما مررت بجمع طبي خاص جوار سوق شعبي، ينادي على الزبائن بمكبر صوت على طريقة ابو الرخاء (علينا بجاي، اختصاصي باطنية شاطر، استشاري اطفال نطّاس .. الخ)
اشتريت عبوة مضاد حيوي، بعشرين جنيها (20.000) بالقديم، لافاجأ أن محتواها ثلاث كبسولات لا غير، اشططت غيظا.. حكيت المسألة لسائق هايس، قال لي: أنا أشريت البارحة، عشر حبات بمائة جنيه (100.000) بالقديم، بمعدل عشرة الف جنيه للكبسولة الواحدة، سكت، وعرفت في حينه لماذا تراجعت معدلات النمو السكاني في الهامش، بالإضافة إلى الحرب العبثية والظالمة. هذا والغريق قِدام، عندما ترفع الحكومة دعمها المزعوم عن الدواء في مقبل الأيام، حينها، ستنتعش بلا شك تجارة الأعشاب والأدوية البلدية، وعندئذ، ستحتاج الصيدليات إلى حراسات امنية مشددة.
شرطة المرور تستثمر في مخالفات سائقي المركبات العامة والسيارات الخاصة، تقبض غرامة ثلاثين جنيها، وتسمح لهم بتعرض ارواح وممتلكات المواطنين للخطر الجسيم لمدة اربع وعشرون ساعة، كيف تصرّح هذه السلطات لمركبات غير صالحة للسير قد تكون كوابحها مهترئة، او وثيقة تأمينها منتهية الصلاحية أن تعمل كمركبات عامة؟ وكيف لها أن تسمح لمراهق ليس لديه رخصة بقيادة سيارة وسط الزحمة المرورية والشوارع المكسرة؟ وهروباً من كمائن استثمار المرور، يهرب بعض السائقين من الطرق العامة عبر شوارع الأحياء الضيقة معرضين سلامة الأطفال الأبرياء لخطر مركباتهم منتهية الصلاحية.
المرأة السودانية .. متألقة
رغم الضائقة المعيشية، وشظف العيش، والتهجير القسري، والنفايات التي تعكّر مزاج الناس، رأيت المرأة السودانية، خاصة المتزوجة، متألقة ومحتشمة، الحناء الغامقة لا تستطيع تجاهلها، إن كنت في كامل صحتك النفسية والبدنية، مهما كانت طبقتها او موقعها السكني، حناء متجددة لم تعد حكراً لبدرية سليمان أو ندى القلعة، عنواناً للصون والعفة وإثباتاً للهوية. 
ونواصل،،
ebraheemsu@gmail.com



لم لا يلعب الثوار "بلوتيكا"؟ مقال لم يكتمل

لم لا يلعب الثوار "بلوتيكا"؟ مقال لم يكتمل


الفعل ساس يسوس، يُبنى على تقدير الظرف السياسي، وينصب بحذف التكلس الفكري المانع للمراجعة الضرورية، ويجر حقا لا مجازاً بالدهاء والمكر، والسياسي الداهية يسير في خطٍّ منحنٍ أو ملتفٍ ولا يبالي بطول المسافة لإدراك الغاية المطلوبة، لكنه لا يعبر جسور الباطل ليصل إلى شواطئ الحق، اما السائس الغبي او الأرعن، فربما جنح إلى السِلم والحرب أشرف منقلبا لقضيته، أو أَذَّن بحرب والصلحُ أقرب وسيلة إلى تحقيق مآربه واسعاد جماهيره، ومعلوم أن الدهاء كل الدهاء التغافل عن كل ذنب لا تستطاع العقوبة عليه، ومن عداوة كل عدو لا تقدر على الانتصار منه. ذكر ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: إنَّ العرب أبعد الأمم عن سياسة الـمُلْك، وزاد على قوله هذا: إن العلماء من بين البشر أبعد الناس عن السياسة ومذاهبها، وفنّد رأيه هذا بأنهم معتادون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية، والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج، وما يلحقها من الأحوال، ويتبعها من الآثار.
والحقيقة التي لا مراء حولها، هي ان الظرف السياسي الراهن في شقيه الاقليمي  والدولي ضد ثوار الهامش، رغم أنه ليس في صالح النظام تماماً، فالبشير كسب الرؤساء الافارقة في دول الجوار، وخسر نفسه وشعبه بحماية الفساد ورعاية المفسدين، والمجتمع الدولي أنصرف عن جرائمه مؤقتا، ولكنه لم يعطيه وجها، وهو يلاحقهم بحذر، ويخشى إن التفتوا إليه سيطلقون عليه النار، وظل طيلة سني حكمه يشتري الوقت ويتاجر في الذمم، وقد تراكمت مديونيته لدى الشعب السوداني، ووصل إلى شفا الإفلاس السياسي والاقتصادي، ونعتقد أن تنظيمات الهامش الرئيسية اكتسبت مناعة ثورية ضد مضاعفات الانشقاقات المفتعلة، وأن النظام قد وصل درجة التشبع من الفصائل عديمة الفائدة، وليس هنالك خوف على ما تبقى من القيادات الثورية الراكزة من الغواية الانقاذية.
في مثل هذه الظروف لم لا يراوغ الثوار بالجنوح للحوار ووقف اطلاق النار، المفضي لتمرير الإغاثة للمتضررين، وإنتهاج سياسة كسب الوقت، والحرب خدعة والسياسة بها السر والجهر ... اوباما السلبي والمتردد مغادر .. وهنالك من يرى أن ترامب ارحم للنظام من كلنتون ..  والبشير قبض الريح من عاصفة الحزم .. وليبيا حبلى بالمفاجآت .. والعلاقة مع مصر مفتوحة على كافة الاحتمالات .. والفقر تولى مسئولية هد النظام نيابة عن المعارضة ...

ebraheemsu@gmail.com



الخميس، شوال 23، 1437

ما بين اردوغان واورهان (مؤلف الكتاب الاسود)

ما بين اردوغان واورهان (مؤلف الكتاب الاسود)

الأحداث الدراماتيكية المتصارعة في تركيا مؤخرا، اعادت إلى ذاكرتنا احداث رواية مشابهة قرأتها قبل عدة سنوات، لروائي تركي مجيد حاز على جائزة نوبل للآداب عن روايته (اسمي أحمر)، فحوى الرواية عبارة عن مادة تاريخية فنية تروي مآسي الاغتيالات والمؤامرات والدسائس يُحيكها حماة المسلمات الإسلامية الخاصة بفنون النقش، تدور أحداث الرواية في إسطنبول، عاصمة الدولة الإسلامية في القرن السادس عشر، يحكمها حينذاك سلطان عثمانيّ يهابه ويحترمه شعبه حدّ التقديس أحيانا، كما اردوغان الآن إلى حد ما، كان ينادونه بـ (اساس العالم حضرة سلطاننا) تتناول في مجمل أحداثها حياة النقاشين العاملين في الدولة العثمانية، الذين كانوا يرسمون وينقشون ويزخرفون الكتب والمؤلفات التي تعد للخليفة أو تهدى له، أو التي يريد الخليفة إهداءها لملك او رئيس من اصدقائه.
هذه الرواية التاريخية تناولت حقبة من حياة الإمبراطورية العثمانية وتحريمها لفن الرسم إلا بشروط معينة تخضع المرسوم إلى عدم المطابقة مع الواقع، وإلا اعتبر تحدياً للقدرة الإلهية على الخلق. وبسبب هذا التحريم اقتصر اهتمام الرسامين في ذلك الوقت على النقش والزخرفة لدرجة أنهم كانوا يسمون أنفسهم نقاشين بدل رسامين.
تناقش الرواية مسألة التبعية الدينية المتناقضة ما بين من يمثل الدين وعامة الناس، وبينما تشرح الاحدث بالتفصيل خوف النقاشين من التطرق إلى محرمات الرسم، نفاجأ بالسلطان الكبير خليفة المسلمين، يطلب بنفسه سراً إنجاز رسم له يناقض كل الأساليب التقليدية القديمة، ويسمح بأن يتبع فيه أساليب الإفرنج الحديثة من التركيز عليه وعلى صورته بدل الاهتمام بالمظاهر الثانوية.
يرغب السلطان من هذا الكتاب السري سرد مواضيع مختلفة بمستوى يجعله متفاخرا أمام الغرب ويظهر مدى قوته، فيعيّن احد كبار النقّاشين سفيراً له في إيطاليا، وفي الحقيقة كان جاسوساً ثقافيا، كُلف فيما بمهمة انجاز هذا السفر السري الخطير، شّكل فريقه السري لإنجاز الأمر السلطاني، يشعر أحد الرسامين المشاركين في الكتاب بالقلق ويريد الانسحاب ويعرّض بذلك المشروع بأكمله للخطر، يتعرّض للقتل فيشرع فشرع كبير النقاشين في التحقيق لمعرفة القاتل ومن يقف وراءه.
لم يهمل الكاتب الحياة الاجتماعية، فيتحدث عن إسطنبول بما فيها من أماكن وأعمال وطبقات اجتماعية وتيارات متصارعة متشددة دينيا، تعتبر حتى شُرب القهوة عملاً من تدبير الشيطان، وأخرى معتدلة ومتفلتة لا تدير لشيء بالاٌ. كما اسدى اورهان لقرائه معروفاً بإعطائهم لمحة عن ملامح الحضارة التركية القديمة، إذ انه يأخذهم في جولة سياحية تاريخية مثيرة للاهتمام، فتارة يجد القارئ نفسه أمام المُدّاح، وتارة في ذلك السوق الشعبي حيث تتبضع الجواري، وتارة يلمح ذلك الرسام العجوز، وهو ينقش و يزّخرف و يرسم الصفحات مستعيناً بضوء الشموع المتقد حتى يفقد بصره، يبدو لي أن المشهد التركي لم يختلف كثيراً منذ القرن السادس عشر من حيث التناقض.
بشيء من السخرية ينسج اورهان باموق موضوعات كبيرة في روايته بأناقة مرحة، فهو مثلا يدع مخنثا يتحدث عن أسباب التفوق العثماني على بلاد الإفرنج الواقعة في وسط اوروبا فيقول: لأن نساء الإفرنج يتزيّن في المدن، ولا يكشفن عن وجوههن فقط، وإنما أيضا عن مفاتنهن، شعورهن البراقة، رقابهن، أذرعهن، أعناقهن الجميلة، أجل، حتى جزءا من سيقانهن الجميلة، يواجه الرجال على الدوام هذا السفور بالانتصاب، فيستديرون لذلك في حياء وخجل، ولا يكادون يستطيعون المشي، وهو ما أدى بالطبع على حد قوله إلى شل المجتمع بأكمله، هذا هو السبب في أن الإفرنج الكفار يفقدون لصالحنا نحن العثمانيين كل يوم حصنا أخر.
يقول احد النقّاد في (اسمي أحمر) يرمي اورهان إلى بعض المفاهيم المخفية بين السطور، على سبيل المثال، استناداً إلى ذلك الحقبة التاريخية المحتشد بالأخلاقيات الفاضلة في إسطنبول حيث النساء الملتزمات بالخمار والحشمة، والرجال المداومين على صلاة الجماعة في المساجد، والمتصوفة المحبين لرسولهم الكريم (ص)، رغم ذلك نجد أن الزنا يبدو في عرفهم محض عادة عادية جداً، بل حتى أن أحدهم يتفاخر بتاريخه في ممارسة الجنس مع مختلف العاهرات. ويتساءل الناقد: هل يقصد الكاتب أنهم يسيئون فهم الإسلام على الوجه السليم؟ أم أن الإسلام لم يكن بالنسبة لهم أكثر من لقب حضاري من غير الضروري الاحتذاء و التقيد به؟ يشير الكاتب أيضاً إلى مفهوم (تصارع الحضارات) حين أراد بعض النقاشين الأتراك محاكاة النقوش الإيطالية و الإفرنجية، بينما كان البعض الآخر رافضاً تماماً لهذه الفكرة معتبرها طريقاً إلى الضلال، فيوضح الكاتب تضاريس الفكر المتفاوت الحجم في تلك الحقبة الزمنية.
تطرق اورهان باموق في روايته هذه إلى قضية التطرف الديني بطريقة ساخرة، وسخريته المبطنة من خزعبلات المؤمنين! إذ يحدّثنا عن الشيخ الأرضرومي (الداعشي الظلامي) الذي يحرّض أتباعه على مهاجمة النقاشين والنقش خانات، وكل ما كان جديداً على المدينة في ذلك الوقت، حيث انه يحرّم شرب القهوة قائلا: "أيها المؤمنون، شرب القهوة حرام، ولأن حضرت نبينا يعرف أنها تخدر العقل وتثقب المعدة، وتسبب الفتق والعقم، ولأنها حيلة شيطانية فإنه (ص) لم يكن يشرب القهوة قط، إن المقاهي أمكنة يقصدها أهل الكيف"
ورد في موقع تركيا بوست عن الرواية: العمى معضلة النقاشين الكبيرة، فهو خوفهم الأزلي الذي يعرفون أنه بانتظارهم، فحياة النقش الصعبة، والتركيز على أدق التفاصيل ورسمها بحرص، والاستمرار طويلا على حركة واحدة من الجلوس والانكباب على الورقة، تجعل من العمى مصيراً لنقاشي العالم كله آنذاك. لكن النقاشين، الفارسيين القدامى تحديداً، حوّلوا معنى العمى، المظلم والمخيف، الذي سيحرمهم من التلذذ برؤية الرسوم والنقوش والحياة الجميلة التي أمامهم، حوّلوه لمعنى رائع، فكانوا يرونه كهدية إلهية تقدّم إليهم بعد حياة شقاء طويلة وتعب، فكأن الله يريد أن يريحهم ويخلّصهم من العالم، ويدخلهم في نور الله والذاكرة والتذكّر، حتى إن بعض النقاشين الذين كانوا يشيخون ولا يصيبهم العمى يقومون بتعمد وخز عيونهم بإبر خاصة لتعمى، وبعضهم كان يضطر إلي القيام بذلك حين تتغيّر الدولة ويجبر على الرسم بطريقة ترفضها مبادئه، فيقوم بتعمّد العمى ليتجنّب السير في طريق لا يريده
واللون الاحمر  المتخذ منه اسم الرواية، هو الأكثر استخداماً في الرسم الإسلامي، وهو لا يمثل لون الدم والجريمة فقط، بقدر ما هو لون الجنة التي تـنتظر روح الفنان بعد الموت، إنه الأحمر المتوهّج على اجنحة الملائكة وعلى شفاه النساء، بقدر ما هو ذلك النازف من جروح القتلى والرؤوس المقطوعة.
إسناد باموق مهمة نقل الرسائل بين العشاق وكشفها لمنافسيهم مقابل اجر، إلى السيدة استرا اليهودية فيها اشارة ضمنية إلى خبث اليهود واضطلاعهم بالدسائس بين الشعوب
في الرواية، فك لبعض الرموز التشكيلية فالأسد يمثل الإسلام، والخنزير الذي يطارده هو الكفر، الشجرة تعنى الخلود، والخيول تعنى التعب،  الكلاب تعنى الشرف
اورهان باموق، من مواليد 1952 له العديد من الروايات وهو (سيد الاسم) للكتاب الاسود، رواية اسمي احمر صدرت عام 1998 وتقع في أكثر من 500 صفحة قيل أنها من أهم الروايات التي صدرت في العقد الأخير من القرن الماضي، استغرقت كتابة هذه الرواية عشر سنوات كاملة، نال بها جائزة نوبل للآداب عام 2006 بإجماع النقاد عن استحقاقها قبل إعلان الجائزة، و اورهان اول كاتب تركي حصل على جائزة نوبل، ترجمت هذه الرواية إلى اكثر من اربعين لغة.
رغم ان الرواية متعبة، وغريبة السبك، وهي فعلا طويلة، وقراءتها ليست سهلة، وتحتاج رغبة لمعرفة ذلك الزمن الذي كتب عنه اورهان، وحباً للرسم والنقش وفنون الزخرفة الإسلامية التي كانت محور أحداث الرواية، فقد اعترف اورهان مؤخراً انه ترك دراسة المعمار وإمتهن التأليف عوضا من الرسم، ورغم التعقيد وصعوبة الرواية، إلا إنني عندما انهيت قراءتها حزنت جدا وددت لو أنها لم تنته. لا يمكن ان تصدر مثل هذه الرواية ذات التكثيف القصصي إلا من روائي ذي خيال شيطاني مفتوح القدرات، ويبدو لي شأن باموق في هذا العمل شأن أي سلطان من سلاطين آل عثمان، ترك بصماته باقية إلى الابد
وجه الشبه بين احدث رواية (اسمي أحمر)  لاورهان والأحداث الأخيرة في تركيا اردوغان، هو رغبة السلاطين العثمانيين في الانقلاب والخروج علي الثوابت الشعبية، فسبب مقتل النقاش الذي اضطرب نفسيا بسبب التكليف السري للسلطان بتأليف كتاب يخرج عن ثوابت مدرسة النقش الإسلامية، والاحتذاء بمدرسة الفرنجة، لتخليد ذاته السلطانية، هذا المنعطف شكل المحور الاساس لأحداث الرواية. كذلك نجد أن دافع المحاولات الانقلابية المتكررة ضد نظام اردوغان المُصر على تغيير الدستور التركي العلماني، وتبديل النظام البرلماني بنظام رئاسي يناسب طموحاته السلطانية. بكل سهولة نجد تقاطع بين مسرح عمليات الحدثين، بشكل مقلوب إلى حد ما، ففي (اسمي أحمر) اغتيل احد ابطال الرواية بسبب حرصه على الثوابت الاسلامية، في حين أن مدبري الانقلاب ضد نظام اردوغان هم متهمون بحماية العلمانية، ضد توجه اسلمة الدولة التركية.
تجدر الاشارة إلى أن الكاتب والروائي العالمي اورهان باموق يفضل وهو افضل من يتناول الشأن التركي على الهواء مباشرة، وقد تعرّض للاعتقال عدة مرات بسبب مواقفه من سياسيات اردوغان العامة، وطريقة معالجته للقضية الكردية بوجه خاص، فالرجل مغضوب عليه في تركيا اردوغان، بل انه ملاحق من قبل السلطات العدلية التركية بتهمة تشويه سمعة بلاده خارجيا او التندر بها، فقد اعابوا عليه موقفه من مجزرة الارمن الشهيرة التي ارتكبتها السلطات العثمانية عام 1915 وأدت الى مقتل اكثر من مليون شخص وتشريد مئات الالاف على الطرقات والشوارع الأزقة.
ما بين اردوغان واورهان، تبرز معضلة علاقة السطلة بالمثقف، وبخاصة في البلدان التي لم تترسخ فيها الممارسة الديمقراطية بشكل كاف، وينتصب التساؤل، هل من الضروري أن يكون الأخير مع المين إستريم (Mainstream) على طول الخط، او ان يقوم بدور كلب الحراسة للسطلة الحاكمة اية كانت؟ أدوار سعيد نفى نفياً قاطعا بألا ينبغي للمثقب أن يكون لا هذا ولا ذلك.  
//ابراهيم سليمان//



الخميس، شوال 16، 1437

مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية (2)

مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية (2)


ليس ثمة جدل في أن مبدأ الفن للفن قد تخلى عنه الكُتاب والمخرجون والدراميون الكبار، واصبحت النظرة الشمولية للعمل الفني تضع رموز الفن في مصاف رجالات دولة، يروجون للقيم الفاضلة، ويعكسون الأبعاد السياحية والوجه المشرق لشعوبهم وبلدانهم، يعالجون التعقيدات الاجتماعية بعيداً عن الترويج للجريمة والانحلال، سيما وإن كان مسرح الأحداث لا يزال بكراً امام العدسات، فمن المخل الانحصار في حدود العقدة الدرامية.
الفقرة أعلاه، كانت خاتمة محاولتنا النقدية لمسلسل الدهابية في مقالنا السابق، والذي قصدنا منه تقديم طرح خفيف على القارئ الكريم خلال عطلة عيد الفطر المبارك اعاده الله على اهلنا وامتنا بالطمأنينة والعدالة والحرية، طرح يبعده بعض الوقت عن الشأن السياسي "الأصنج"، لكننا تفاجأنا بذائقة قراء الراكوبة الغراء للنقد الفني، وكنا نحسب أن مزاج روادها سياسي وثوري بحت، وايضا باغتنا زملاء افاضل في الفيس، وكذلك اخوة أكارم في منتديات حصرية، باغتونا بالظهور "منططين" اعينهم ومبدين الدهشة، هذا ما دفعنا لأن نقول لهم بعد المباركة والثناء "كل هذا بدون وضوء"، ليس غروراً بالطبع، وإنما لأننا لسنا متخصصين في هذا المضمار، وإنما مجرد "شوّيف سينما" على قول المصريين، ونؤمن ايمان العجائز، بمقدرة العمل السينمائي والدرامي المسئول، على احداث تحول ايجابي في حياة الشعوب، وإعادة العافية للنسيج الاجتماعي السوداني المهترئ، وترسيخ القيم والفضيلة ومعاني البطولة في ادمغة النشء، والحفاظ على التراث الإنساني الأصيل.
التصفيق الحار من جمهور القراء، اغرانا للاسترسال في تناول جوانب اخرى من مسلسل الدهباية، مع مقارنات عند اللزوم بمسلسل دكين، وللأمانة فقد شاهدت الأخير أولاً، فانبهرت به ايما انبهار، وأكبرت مقدرة الممثل والمخرج السوداني الذي استطاع ان ينتج مثل هذا العمل السينمائي الضخم، لذلك عندما شاهدت مسلسل الدهباية، بانت لي الفوارق، وظهرت لي "الكلّفتة" جليا.
ومرد اهتمامي بالداليّن (دكين ودهباية)، هو أن كليهما يعكس جمال واصالة الريف السوداني، والذي لا اخفي انحيازي التام له إنساناً وموروثا، لأنني لم اجد ما في البندر ما يجذبني، وقلقي الشديد على الاستلاب الثقافي من قبل المدن المركزية على هذه القطاعات، والتي تمثل المرجعية الأخلاقية والقيمية والتراثية للإنسان السوداني، وابذل ما في وسعي بألا يتم تشويشها من قبل المنتجين التجارييّن وحلفائهم من زمرة الرأسمالية الطفيلية الغير مسئولة.
كاميرات المخرجيّن في كلا المسلسلين، لاحقت فاريّن من العدالة، دكين انحصر في الريف، اما عباس فزاوج بين الريف والحضر، والممثل القدير والمخرج محمد نعيم سعد (سينما)، استغل هذه الملاحقة، فعرض للمشاهد ارض البطانة الواعدة من شندي إلى ابودليك، وحتى مشارف سِنكات في اقصى الشرق، ورغم أن مسلسل الدهباية بها مواضع action أكثر من مسلسل دكين، إلا أن المخرج فاروق سليمان قد اكتفي بـ 30 حلقة وكان بإمكانه ان يمط المسلسل إلى 60 حلقة دون ان يخل بالعقدة الدرامية، كما انه وضع شكائم لكاميراته، ولم يوظف الـ zoom-out بشكل إيجابي.
على سبيل المثال، على غرار ما فعل محمد نعيم سعد في مسلسل دكين، كان بإمكان فاروق سليمان، أن يلاحق عباس وهو سائق لوري، عاشق لابنة خالته الدهباية، يلاحقه في سوق الخضر والفواكه  بنيالا، وسوق الشطة وهو عالَم بحاله، وسوق العيش، والسفر من رهيد البردي ونيالا إلى ام دافوق وعد الفرسان وبُرام وتُلس، وكيف يتجاسر على عبور الوديان والخيران الجامحة لحظات غضبها، ويلاحقه وهو هارب من العدالة راجلاً بعد الاعتداء على الافندي، وعلى غرار هروب دكين، بإمكانه اللجوء أي عباس، إلى فُرقان البقّارة الرُحّل ما بين ام دخن وحفرة النحاس وقريضة وكفيا كنجي حتى حدود افريقيا الوسطى، وليس هنالك بقعة في جنوب دارفور خالية من حشائش السافنا الغنية أو الغطاء الغابي الكثيف او المزارع النضرة، ومعلوم أن جنوب دارفور هي ثاني ولاية من حيث الكثافة السكانية، بعد ولاية الخرطوم جلهم في الريف الأخضر، اين هذه المشاهد في مسلسل الدهباية؟
وبما ان عباس سافر بالقطار ملاحقا الدهباية في البقعة، هنا يمكن تصوير القطار من نيالا ــ الخرطوم، وعكس من يحمله من منتجات غرب السودان، ورصد ادبيات هذه الرحلة الممتعة، وتصوير طلاب الجامعات، والجنقو مسامير الأرض، هم وأطفالهم وقليل متاعهم وبعض حيواناتهم من نيالا وحتى محطة سنار التقاطع او مدني، ثم الترّجل والتوجه إلى حوّاشات القطن في بركات بمشروع الجزيرة، أنني على يقين، ان سلّط المخرج كاميراته على عباس وهو يحكي لرفيقه (زوج نصره) عن همومه ومخططاته وهو داخل هذا القطار العجيب في اطول مشاويره، لنام الشعب السوداني قرير العين، مطمئن على خيرات بلده.
لقد سنحت هذه الفرصة مرتين، عندما قرر عباس السفر إلى البقعة ملاحقا الدهباية وزوجها الأفندي، والمرة الثانية عندما تمكن الهرب من المستشفى وعاد إلى نيالا، سنحت فرصتان ذهبيتان لتصوير مخازن السكة حديد في نيالا والسجّانة، ورصد الناتج القومي من الزراعة في الريف، والمصانع في المدن، إن حدث هذا، حتى ان لم ينطق احد بكلمة، وترك الحديث للعدسة، سيكون بلا شك هذا امتع ما يشاهد المواطن السوداني، ويكون بذلك قد وثق جزءاً من تراث وادبيات القطارات وحركاتها ودور السكك الحديدية في خدمة الاقتصاد السوداني، لأن الكثيرين لم تتح لهم فرصة السفر عبر هذا الساحر، ناهيك عن الجيل الجديد الذي ولد بعد افول نجمه. فشل المخرج حتى في تصوير مناسب لحادث انقلاب القطار الذي ادى بوفاة زوج نصره،  ورفيق عباس للبقعة.
بالطبع مثل هذه المشاهد تكلف مليارات الجنيهات، لكن اقول بكل ثقة أن العمل الجيد سيدر مضاعف هذه التكلفة
هنا نذكر كيف ان هوليود استطاعت إعادة تصوير حركة قطارات البخار في الغرب الامريكي في نهاية الستينات من القرن الماضي لِما كانت عليها هذه القطارات في نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وإبراز ما كانت لها من سطوة وجبروت، وكيف أن لصوص القطارات، ينهبون الخزائن المالية والمرتبات والحوالات المرحّلة عبرها، وكانت من افضل افلام الكاو بوي على الإطلاق حتى الآن. عرضت هذه الأعمال الفريدة من خلال سلسلة افلام Alias  لـ Kid Curry و Hannibal Heyes واسميهما الحقيقيان Ben Murphy و Pete Duel وعندما انتحر الأخير عام 1971م واصل Ben Murphy مع Roger Davis ، ولكن ليست بالأريحية والانسجام مثل ما كان عليه مع ابن عمه المنتحر، ومن المفارقة هما ايضا كانا فارين من العدالة، ومطلوبين أحياء او اموات dead or alive ، وفي ذات الوقت، موعودين بالحصول على الإعفاء ان احسنا من تصرفاتهما، يستغلان القطارات والخيول للهرب والعيش في الأدغال والأحراش والصحارى، ولم يتركا بقعة من الغرب الأمريكي لم يصلا إليها. متعة هذه السلسلة تتمثل في مشاهد قطارات البخار والطبيعة العذراء والتنوع المناخي والبيئي, واعتمدت على كفاءة الكمرات المستخدمة لتوثيق هذا العمل.
كلا (الدالين) يعرضان رجل البوليس السوداني على انه مغّفل وقليل الحيلة، فلا يعقل أن يوكل ترحيل اثنين من "عتاولة" السجناء من شندي إلى ابودليك، مسيرة اكثر من ثلاثة ايام بلياليها، إلى نفر واحد من افراد البوليس، وهما يدركان أن مصيريهما الإعدام، او المؤبد على احسن تقدير، وعندما تحرك مأمور المركز (انجليزي) قائداً لعدد كبير من قوته، بعد مقتل هذا العسكري على يد دكين، تم تضليلهم ببساطة من قبل الهمباتة (مجموعة موسى الأمير) لأنهم يريدون دكين حياً لتصفية حسابهم معه شخصياً، كان بإمكان المخرج، إظهار اكتشاف المأمور للخديعة، وتصحيح المسار، أو من البداية، يقوم بتقسيم قوته إلى فريقين، فريق يعمل بإرشاد الهمباتة، والآخر ضده، لأنه ببساطة، رجل البوليس لا يثق في كل من يصادفه، أي يظهره حصيفا، حتى وإن كان مستعمراً، لأن ذراعه الأيمن هو الشاويش الفذ حمّيده (الممثل الكبير الراحل عثمان حمّيده)، ومن المفارقات، ذكر الأخير ان بعض مشاهد مسلسل دكين صورت في جبل مره. وبغض النظر عن انه كاتب قصة دكين، جاء اختباره كشاويش مناسباً، حيث انه كان اطول جنوده قامةً واكبرهم حجما.
كذلك استطاع عباس بمعاونة الممرض أن يسقيا رجل البوليس المكلف بحراسته في المستشفى، يسقياه عصير ممزوج بمخدر، تمكن بعده عباس من الاستيلاء على سلاحه والهروب. كان بإمكان المخرج أن يظهر العسكري الحارس على انه مهني ومدرب و"تفتيحه" لمقالب المجرمين، بحيث يدلق العصير توجسا، ويبحث المخرج عن حيلة اخرى لهروب عباس، سيما وأن السلاح الذي استولى عليه غير ضروري له في ملاحقته للدهباية.
من مصلحة من يظهر المخرجان رجالات الشرطة على انهم تعساء ومغفلين؟ لا يحدث هذا إلا في السينما الهندية كنوع من الـ fun، وحسب علمي أن كافة المشاهد السينمائية المحتوية على لقطات تخص القوات النظامية، تعرض على الجهات المختصة قبل البث، ولا اظن أن حدث ذلك ليوافق اصغر ضابط بوليس على اداء الكندي الامين لدور ضابط التحري في جنايات عباس، ببساطة لأنه شديد النحافة، ويبدو غير لائق بدنياً، وملابسه فضفاضة عليه، مما يظهره غير منضبطا، ومن المعروف ان معظم افراد القوات النظامية، يملؤون العين مظهرا وقواما، فارعي الطول، حازمي التقاطيع، لقد استمعت للفنان المبدع الكندي الامين في حوار معه عبر احدى الشاشات، وذكر ان عائلته يسكنون جوار مبنى التلفزيون القومي بالملازمين، لذلك جاء احترافه للتمثيل بالصدفة، وكانت اولى ادواره، دور ضابط بوليس في مسلسل الدهباية. وهنا يظهر المخرج الراحل فاروق سليمان على انه مجامل وغير جاد.
اظهار رجل البوليس ضابطا كان او عسكري نفر، في موضع الغفلة وعدم اللياقة، يضر بثقة المواطن فيه، ويثير البلبلة وعدم الطمأنينة في المجتمع، وهذا ما حدث بالضبط للدهباية، تقول باستمرار لخالد أنها خائفة من أن عباس سيهرب من ناس البوليس ويلاحقهما، رغم انه حُبس في نيالا وهما انتقلا إلى البقعة، وهذا ما حصل بالضبط، هرب عباس، فدخلت هي في نوبة كوابيس وهلوسة، وطلبت اللجوء إلى الفُقراء والشيوخ، لعدم ثقتها في البوليس، لردع عباس وايقافه عند حده، وخالد بدوره، دخل معها في هذه الحالة، عندما قال، أنا عامل حسابي، في اشارة إلى حصوله على مسدس.
و لمصلحة من يصور الممرض (علي) على أنه مرتشي وخائن؟ ساعد عباس على الهروب، وقبض الثمن، دون ان يردع، مما شجعه للمرة الثانية للتعاون معه في اختطاف ابن الدهباية، هذه المشاهد ليس مستبعداً أن يغري الآخرين على حذو ذات المسلك، كان ينبغي أن يطرد الممرض من الخدمة، ويوبخ على تصرفه، ويظهر الندم، واظهار بؤس حالته فيما بعد، جراء تصرفه المخجل هذا. ليس جميع من يشاهدون مثل هذه الاعمال الفنية هم من البالغين أو الراشدين أو المحصنين إعلاميا ضد مثل هذه الرسائل السالبة.
ونحن ما زلنا نحوم حول المسائل الأمنية، اعتقد ان مخرج الدهباية كان موفقا في اختيار خفير عمارة البرجوازي حاج مبارك وعائلته الكريمة من شخصية غير نمطية (محمد خلف الله)، فكما درجت السينما المصرية على تصوير محمد احمد السوداني على أنه الخفير الأوحد لكافة بنايات مصر، كذلك درجت السينما السودانية على اسناد هذه الوظيفة إلى جهويات وشرائج معينة من التركيبة المجتمعية السودانية، إلا ان الراحل فاروق سليمان كسر هذه القاعدة.
رغم ان دكين قتل انفس عديدة غدراً، معظمهم قد احسنوا إليه، لم يعدم النزعة الإنسانية، فنقطة ضعفه هي شقيقته الرضيّة (هادية طلسم)، التي اراها لا تقل حنينا ووفاءً لشقيقها عن تماضر شقيقة صخر، ولولاها لما عاد دكين إلى شندي، كما أن دكين ازجى معروفا للزين، فقد انقذ حياته من اعتداء الهمباتة، والزين في مسلسل دكين، هو عباس الدهباية ذات نفسه (صالح عبد القادر)، وقد عشق دكين شقيقته بدور بت العمدة من اول نظره، وهي الدهباية ذات نفسها (هالة اغا)، وهنا نجد أن نظرات الاعجاب كانت متبادلة رغم ان الحب كان سراً، عكس عباس للدهباية، حب من طرف واحد. وعندما تم القبض على دكين، نجح في التنكر، فمنح المأمور الشاويش معاش حميّده ساعة واحدة لإثبات انه دكين، وكان بإمكانه ان يفلت مرة اخرى من العدالة، لولا نقطة ضعفه، أي حنينه لشقيقته الرضية، والتي كسرت قلب المأمور قبل دكين بشعرها المؤثر، وكلامها الرقيق، والتي سار بها الركبان إلى يومنا هذا، والتي اذابت جَلَد وصلابة قلب دكين، واجبرته على الانهيار والاعتراف انه دكين وليس سالم، مسلماً عنقه طائعا للمقصلة، في مشهد ملحمي، أي أن نهاية دكين، رغم جرائمه، كان بطولياً، اجبر المشاهد على التعاطف معه.
اما عباس، فقد صوره المخرج على انه عديم الإنسانية، منزوع الرحمة، أناني لا يحب ألا روحه والدهباية، لم يعرف له جميل على احد، ورغم انه يوصف بكتّال الكتلا، لم نعرف على وجه التحديد من الذين قتلهم قبل عشقه للدهباية، نعم أنه شرع في قتل الأفندي الذي تجرأ لنيل شبّال من بنت خالته، ومحبوبته في تحدي واضح امام خلق الله، وكذلك شرع في قتل السيدة نصرة ارملة زميله لأنها افشت سره للأفندي، وافسدت عليه كافة مخططاته التي هاجر من دلال العنقرة إلى البقعة من اجلها، أي قد يوجد من يتعاطف مع عباس، في بعض تصرفاته، إلا ان المخرج، اظهر نهايته كإنسان همجي، حيث انه خطط وشرع في اختطاف ابنة خالته وابنها بقوة السلاح ليتخذها زوجة له، رغم علمه أنها حليلة إنسان و(مرة راجل) آخر شرعا، وان حبه لها من طرف واحد، هذا التصرف يضع عباس في موضع البهيمية والهمجية، يتصرف خارجا عن العرف والشرع، سيما وان ما يعرف بزواج (الجبونقا) في غرب السودان، قائما في الأساس على الرضاء والاتفاق، وقد رسخ الأدب الشعبي لهذا المبدأ، حيث غنى زكريا الفاشر:(اسمعو يا بنات جبونقا اتفاق) وهذا النوع من الزواج القائم على اضطلاع القاضي الشرعي بمحل ودور الولي في شروط صحة الزواج، في حال تعنت ولى البنت البكر، ورفضه طالب الزواج من وليته، فيأخذها الخطيب سرا ويهرب بها إلى محراب القاضي الشرعي، لتصبح زوجة له شرعا، وهنالك من الفقهاء من يجوّز هذا المسلك، واظن المالكية منهم. وهذا النوع لا ينطلق على حالة عباس والدهباية، لأنها متزوجه، وهي غير راغبة في عباس من الأساس، لذلك صورت السينما السودانية دكين كبطل، وعباس كهمجي وارهابي يهاجم محبوبته بالسلاح الآلي وهي على سرير الوضوع، وأنه جبان و"خايب" يطلق النار على نسوان عزّل!!
مسلسل الدهباية تم انتاجه من قبل شركة أنهار للإنتاج الفني، أما مسلسل دكين فقد تكفّل به التلفزيون القومي، ويحدونني كبير العشم، أن يتولى الأخير، إعادة تصوير مسلسل الدهباية مع مراعاة كافة ابعاده الممكنة بميزانية مفتوحة، وبتؤدة وروية مهما استغرق من زمن.
//ابراهيم سليمان//


الأحد، شوال 05، 1437

مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية

مسلسل الدهباية ــ محاولة نقدية


تابعت مسلسل الدهباية الإذاعي وأنا في المرحلة الثانوية، لم يكن لدينا تلفزيون في داخلية مدرسة كتم الثانوية، كنا نهرول للتجمع جوار جدار احدى العنابر، لمتابعة المسلسل، عبر إذاعة هنا ـ امدرمان، حتى قبل ان نغيّر ملابس الرياضة، وأحياناً "نكلفت" صلاة المغرب، ونتجاوز الباقيات الصالحات من أجل حضور الحلقة من قولة "تيت"، وعندما بثت حلقات المسلسل التلفزيون، لم اكن مشدوداً للمتابعة، لكنني شاهدتها قبل فترة لمرتين متتاليتين، متقمصاً عدسات ناقد "جرمندي" ودونت عدة ملاحظات، آمل ألا ينظر إليها خارج إطارات هذه العدسات.
بإجراء مقارنة بسيطة بين مسلسلي الدهباية ودكين، نجد أن عباس قد تشيطن، لرفض الدهباية الزواج به وتفضيلها الأفندي الغريب عليه، حيث قال في لحظة مناجاة مع نفسه، عندما اسودت الدينا في وجهه، وضاقت عليه الارض بما رحبت، وتعب من ملاحقة البوليس قال: يا عباس، كنت رجلا زين، إلاّ الدهباية!. الشيء نفسه، لو أن ابنة عم دكين، قد قبلت الزواج منه، على الأرجح أن يستقيم، فقد طُرد شرّ طرده من قبلها، بمعنى أن الصدمة العاطفية، هي الدافع الرئيس للجريمة، التي قد تهز مجتمعات بأسرها، هنا يحضرني، مشهد من مسرحيات الفاضل سعيد عندما فقد وظيفته بسبب الآنسة محاسن، قال: والله انتو يا بنات حواء، طلّعتوا ابونا آدم من الجنة، ما تطلعوني أنا من الوظيفة! ثم غادر عتبة المؤسسة التي كان يعمل بها.
ــ من الموازنات، كما ترفض الأسرة (الامدرمانية)، زواج ابنهم من إنسانة من الهامش، في نظرهم غير معروفة الأصل والفصل، كذلك في البداية، يرفض اقرباء الدهباية الأفندي زوجاً لها لأنه غريب وغير معروف الأصل والفصل، رغم انهم في النهاية رجحوا اخلاقه وطيب معشره فظنوا به الخير متجاوزين التثبت من اصله وفصله.
ــ ومن المفارقات ايضا أن اسرة الدهباية، والتي تمثل الهامش، تبدو اكثر قبولا للآخر من اسرة زوجها خالد والتي تمثل مجتمع المركز في عقر تمدنها "البقعة"، إذ تعكس الأسرة (الامدرمانية) قمة التعجرف والاستعلاء، انطلاقا من ادعاء والد خالد ان سبب "مرمطة" ابنه لسمعة الأسرة تتمثل في رفضه زواج ابنة اخيه، هنا يبدو المشهد مقلوبا، فالمتوقع إن ينحاز اقرباء الدهباية إلى ابن خالته عباس ضد ابن البندر الغريب، بحكم التركيبة العشائرية، وحياة البداوة.
ــ من المفارقات أن اسرة خالد تسأل عن قبيلة عروس ابنهم، وانهم ينظرون نظرة سالبة للغاية للمرأة العاملة، والإصرار على وصفها بأوصاف قاسية مثل مطلوقة وواحدة من الشارع، واذا استندنا على السياق الزمني من الأزياء والأثاث المنزلي، فإن الأمر ليس في زمن بعيد، مثل هذا التصرف لا يمت للتمدن بصلة.
ــ لم ترد كلمة قبيلة او عشيرة من أي من افراد اسرة الدهباية، في حين ترددت الكلمة مرارا على لسان رب الأسرة الامدرمانية، منها
ــ يقول والد خالد: "ايوه، ما لقاها فرصة، ولد قبايل" اعتراضا على تزويج ابنه خالد من الدهباية دون حضوره او من ينوب عنه
ــ يرجئ حاج مبارك سبب حنقه على أبنه، انه رفض أبنة عمه التي يصفها بانها بت القبائل وبت الاصول، ليتزوج واحدة مطلوقة تعمل في السوق، لا اصل ولا فصل لها، على حد وصفه لها.
ــ يقول حاج مبارك لزوجته، هسي الزعل دا لوزمه شنو؟ طالما ولدك نسى مركزو، ونسى أصله، ونسى قبيلته، وإتزوج واحدة بيّاعة في السوق
ــ تنتفض الأرملة نصرة التي تسكن حي كوبر بالخرطوم بحري، تنتفض لكرامتها، عندما سئمت من الاعيب عباس قائلة، ترا أنا بت اصول وبت قبائل، يا تطلبني عديل بالدرب، ولا اطلع برّا، وتاني ما تجي البيت دا
ــ يقول عباس لابنة خالته الدهباية: انتِ من توب وهو من توب أي زوجها خالد، وانا من دمك ولحمك، ويقول لحاج سليمان: ترا انت كبيرنا وشيخ الفريق، عندما حضر له متسللا طالباً منه الحماية من ملاحقة البوليس، ولم يذكر القبيلة او العشيرة.
ــ تبدو الأسرة الامدرمانية معزولة تماماً، وليست لها اية امتدادات، أو صداقات من اية نوع، خلافاً لأسرة الدهباية اليتيمة، لها كبير "حاج سليمان" وصداقات واقرباء وترابط وزيارات متبادلة ومناسبات أفراح وأتراح متكررة ومتنوعة، يفرحون لفرحها، ويشاطرونها الحزن.
ــ يقول حاج سليمان لحاج خالد في اولى زيارة عائلية لهم في دارهم بالبقعة: بلدنا بخيره، بهايمنا كتيرة، وعندنا سمن ولبن وعسل، كان الأجدر بالمخرج تسليط الكاميرا على هذه المنتجات، سيما وان المشاهد قد صورت خلال فصل الخريف، فقد عكست الكاميرا سوق الخردوات، والصناعات اليدوية، بدلاً من منتوجات الألبان والخضروات الموسمية، واقتصر مشهد قطيع الأبقار في بضع ثوان خلال المدة الكاملة للمسلسل، ومعلوم أن منطقة جنوب غرب دارفور، من اغنى بقاع البلاد من حيث تعداد الثروة الحيوانية، وتوجد بها أدغال كثيفة وتنوع بايلوجي ثر، فإن كان المخرج معنى بإبراز هذه المقدرات الاقتصادية الهائلة والجمالية، لرصد قطعان مهولة من الابقار في مراعيها الطبيعية، وكذلك سرب من الحياة البرية، وهنا يحضرني المشهد الموفق لكاميرة مسلسل دكين وسط سوق تمبول، فقد رصدت جِمال معروضة للبيع على مد البصر تقريباً.
ــ الطائرة التي هبطت في مطار نيالا، وعلى متنها حاج مبارك وزوجته، بدون هوية وكأنها طيارة "كارقو" متسخة، ولا أدري لماذا ركّز المخرج على مؤخرتها (العادم)؟ إن كان المخرج معني بسمعة البلد، بإمكانه تصوير الطائرة الرئاسية، إن لم يعد وجود لأسطول سودانير
ــ طلب ام خالد لفتيل الريحة (باس وورد) إضافية لنفسها، بالإضافة لواحدة كهدية للعروس، حسب توصية وذوق ابو خالد، هذا التصرف فيه ترويج مجاني قد يكون لريحة رديئة
ــ خالد الذي يمثل دور الأفندي والرجل الملاك، في وجه عباس (كتال الكتلا)، وكذلك زوجته الفنجرية والرقيقة الدهباية، بالإضافة إلى آدم وزوجته حواء، جميع هؤلاء يتفوهون بالقتل ويهددون به، ولم يسلم من هذه النزعة العدوانية سوى حاج سليمان وتربس وزوجته الرهيفة النعمة. ومن الملاحظ أن آدم عندما حضر الي البقعة، في معية حاج سليمان وبقية افراد اسرة الدهباية، كان جالساً في صالون حاج خالد الوثير، وواضعا سكين الضُراع في وضعية عدوانية؟ هذه مبالغة في تصوير اهل الدهباية على انهم اشرار.
ــ بهذا التنميط والرمزية التي لا يخطئهما المتابع الحصيف، صور المخرج مجتمع الدهباية، كمجتمع عدواني، لا يعرف إلا القتل سبيلاً لحسم مشكلاته الاجتماعية، ولم يسلم من هذه العدوى حتى الأفندي خالد الذي ناسبهم وعاش وسطهم، فقد سمعناه يتلفظ بالقتل، وكذلك رأيناه حاول قتل محبوبته الدهباية، لمجرد وسوسة وشبه واهية بخيانة زوجية لم يتثبت منها.
ــ تكالب الثلاثي عباس "الشيطان" وحاج خالد وحسن افندي، على أمرأه حامل في شهورها الأخيرة، يتيمة ومكسورة الجناح، في مشهد تراجيدي، يصور مجتمع البندر، كمجتمع معدوم المرؤة، لا يحمى شرائحه الضعيفة، فقد هموا بتسليم إنسانة ضعيفة حتى قبل أن تضع لهم مولودهم، إلى رجل يتطاير الشرر من أعينه، دون رغبتها.
ــ الأفندي خالد، وسط مجتمع غريب عليه، يتجرأ ويأخذ شبال من اجمل بنات البلد، مع سبق الإصرار والترصد، ليس غريباً أن يتعرض للطعن بالسكين على يد ابن خالتها "عباس"، ومن الطبيعي أن يردع من تصرفه المستفز هذا، إن حدث في اية بقعة بقاع الريف السوداني، ولكن الردع ليس بالضرورة ان يكون قتلا، هنا كان ينبغي أن يتمحور تحري وكيل النيابة مع عباس الذي اعترف بالإصرار والترصد، وهنا كان ينبغي ان يكون مرتكز نصائح حاج سليمان (كبير فريق عباس) وخلاصة لومه له عندما لاذ به من ملاحقة الشرطة له.
ــ غير منطقي، أن تحلف الدهباية بالشيخ احمد التجاني، وهي لا تعرف إلا البقعة كاسم لامدرمان، ومعظم الرجال من اقربائها، يلبسون الجلاليب الأنصارية، علماً بأن رهيد البردي هو معقل خليفة المهدي عبدالله ود تور شين؟ ودلال العنقرة من توابعها.
ــ من المعلوم أن الشلالات موجودة في السودان في جبل مرة وعلى النيل، ومعلوم أن جبل مرة من نيالا اقرب للعريسين، افندي خالد والدهباية من النيل، وبها استراحات مجهزة للعرسان، فلم لم يهتبل المخرج هذه الفرصة لتصوير شلالات مرتا جلّو وقولو في ابهى مناظرها، بدلاً من الشلال على النيل والتي تظهر وجود اشجار النخيل، سيما وأن  الدهباية غير مرحبة بها من قبل اسرة الأفندي خالد في  العاصمة "الملازمين"؟
ــ لس هنالك في غرب السودان، من يشد (يحّمل) جركانات ماء على حمار عِري (بدون سرج)، وهو ما حاولت الدهباية القيام به في المشاهد الاولي للمسلسل، وهي ورفيقتها النعمة، مما تظهر البطلة ورفيقتها كبنات بندر وليست قرويات.
ــ نصرة الساكنة في حي كوبر بالخرطوم بحري، لديها برندا مبني من قش (قصب الدخن)، اعتقد ان هذا المشهد من نيالا. اولاً قصب الدخن كمواد للبناء غير متوفر في ضواحي الخرطوم، ثانياً هذا المشهد غير مستق زمنياً مع نوع الأثاث الموجود في صالون حاج مبارك، ونوع العربية التي يمتلكه لاندكروزر VXR
ــ رغم المقدرات الفنية الرفيعة لكافة نجوم هذا المسلسل، هالة اغا، طارق على، صالح عبد القادر، عوض صديق، محمد شريف على، بلقيس عوض، ألا أن ما شدني وابهرني، هو دور حسن افندي، والذي قام به صديق صالح، كأخ أكبر لخالد افندي، تمنيت ان يكون لي اخ بهذه المواصفات، اخ حلاّل المشاكل، حاسم، واثق من كلماته وتصرفاته، يقول الكلمة المناسبة لوالديه، واخيه الأصغر، وحتى الدهباية زوجة شقيقة خالد رغم بعض مواقفه غير الكريمة منها. اشهد ان الاستاذ صديق صالح فنان بارع، وممثل جاد للحد، اتمنى أن اراه في كافة الأعمال الجادة.
ـ بلا شك أن الموسيقى التصويرية لمسلسل الدهباية التلفزيوني، آسرة للحد البعيد، واصبحت آيكونة نغم، على غرار شعار فيلم الكاوبوي الأشهر عالمياً (من اجل حفنة دولارات A Fistful of Dollars  بطولة Clint Eastwood، سيما وأنهما متشابهين إلى حد كبير، أي الموسيقى التصويرية، وأنه الأقرب للحن االمقطوعة الموسيقية الخالدة (القمر بضوي انا شن بلاني بالنجوم) إلا انني اعتقد أن كلمات شعار المسلسل الإذاعي أكثر عمقا وتعبيرا عن محورية البطلة (الدهباية) في مجريات الأحداث، ومحيط مجتمعها
كلمات الشعار الاذاعي تقول:
يا يا خلاصة الدهب الاصلو ما بتغير
لو جار الزمن
وخلي الجميع يتحير
هنا الوصف مباشر عن الذهب الخالص والصمود على الخلق القويم أو عن جمال الخليقة الذي حيّر الجميع
اما كلمات المفتاحية لشعار التلفزيوني تقول:
شنقلي طوباية
تلقي لي دهابية
هنا رغم ان مدخل الاغنية تراثية راسخة في غرب السودان، إلا انه يتحدث عن البحث عن الذهب المغطى بالطوب، أي الكنز، وهو مدخل عام وليست ذات خصوصية بالبطلة.
ــ الإيحاء بأن افندية نيالا وطلابها، لا يذهبون إلي دلال ـ العنقرة إلا من اجل الرقص في النقعة (ساحة اللعب)، إو من اجل مشاهدة الفنجرية الدهباية، فيه شيء من الابتسار يظهر أن الريف معدومة الخيرات الجاذبة لأفندية "المدن" غير اللهو اللعب، كما يظهر الدهابية كراقصة استعراض تشد لها الرحال، ولا اظن أي من هاتين تعتبر قيمة إيجابية.
ــ أعتقد ان الراحل الكبير فاروق سليمان شيخ المخرجين، عليه الرحمة، يبدو كان "شفقان"، وفي عجلة من امره بعض الشيء، أو أنه لم يضع اية اعتبار للبعد السياحي والترويجي لهذا العمل الغير مسبوق في غرب السودان، ويبدو انه التزم بنص السيناريو وليس روحه، أو كأنه كان مهموماً بتحويل مشاهد المسلسل الإذاعي إلى مشاهد حية كما هي، او لم يدر بخلده أن هذا العمل الكبير، قد يجد حظه في العبور إلى خارج الحدود، فقد علمت أن مسلسل الدهباية قد عُرض في بعض الدول العربية منها سوريا وجيبوتي.
أعتقد ان مثل هذه الأعمال الكبيرة، تحتاج لمستشارين عدول في التراث والموروث الشعبي المحلي، ومستشارين سياحيين، ومستنيرين ملمين بالمنطقة من كافة جوانبها، ومن الضروري الالتفاف إلى آراء نقاد محايدين قبل البث.
ليس ثمة جدل في أن مبدأ الفن للفن قد تخلى عنه الكتاب والمخرجين والدرامين الكبار، واصبح النظرة الشمولية للعمل الفني تضع رموز الفن في مصاف رجالات دولة، يروجون للقيم الفاضلة، ويعكسون الأبعاد السياحية والوجه المشرق لشعوبهم وبلدانهم، يعالجون التعقيدات الاجتماعية بعيداً عن الترويج للجريمة والانحلال، سيما وإن كان مسرح الأحداث لا تزال بكر امام العدسات، فمن المخل الانحسار في حدود العقدة الدرامية.
//ابراهيم سليمان//